آخر تحديث :السبت-17 يناير 2026-12:37م
أخبار وتقارير
عدد تحليلي من صحيفة عدن الغد

عارف ناجي علي يكتب :الاقتصاد أولاً: كيف تحوّل الدعم السعودي إلى رافعة استقرار حقيقي؟

السبت - 17 يناير 2026 - 11:14 ص بتوقيت عدن
عارف ناجي علي يكتب :الاقتصاد أولاً: كيف تحوّل الدعم السعودي إلى رافعة استقرار حقيقي؟
غرفة الاخبار

لم يكن الانهيار الاقتصادي في الجنوب مجرد نتيجة جانبية للصراع السياسي، بل كان ساحة الصراع الأكثر قسوة على حياة الناس. فحين تغيب الدولة، ويتعدد القرار، ويتحول المال العام إلى أداة نفوذ، يصبح الاقتصاد أول الضحايا، ويصبح المواطن الحلقة الأضعف. ومن هنا، فإن التحول الذي شهدته المرحلة الأخيرة بعد سقوط المجلس الانتقالي لا يمكن قراءته سياسيًا فقط، بل يجب فهمه اقتصاديًا بوصفه انتقالًا من الفوضى المالية إلى محاولة استعادة الحد الأدنى من النظام والاستقرار.


الدعم السعودي في هذه المرحلة لم يأتِ كاستجابة طارئة لأزمة عابرة، بل كجزء من رؤية أوسع تعتبر الاقتصاد مدخلًا رئيسيًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالمملكة، التي أدركت أن أي حسم سياسي دون معالجة الجذر الاقتصادي سيظل هشًا، انتقلت من سياسة “إدارة الانهيار” إلى سياسة “منع الانهيار” ثم إلى محاولة “إطلاق التعافي”. هذا التحول لم يكن شعاريًا، بل تُرجم إلى أدوات ملموسة شعر بها الناس مباشرة.


أولى هذه الأدوات تمثلت في الوديعة السعودية التي أعادت للبنك المركزي قدرته على التنفس، ولو جزئيًا. فالعملة المحلية، التي كانت تتآكل تحت ضغط المضاربات وفقدان الثقة، وجدت سندًا حقيقيًا أعاد ضبط السوق وحدّ من التدهور المتسارع. صحيح أن الوديعة وحدها لا تعالج أزمة هيكلية عميقة، لكنها تمثل صمام أمان يمنح الدولة وقتًا ثمينًا لترتيب بيتها الداخلي، وضبط سياساتها المالية والنقدية.


إلى جانب ذلك، جاء دعم قطاع الكهرباء بوصفه الملف الأكثر إلحاحًا في حياة المواطن. فسنوات من الانقطاعات، والاعتماد على حلول إسعافية مكلفة، حوّلت الكهرباء إلى رمز لفشل الدولة. ومع الدعم السعودي المخصص للمشتقات النفطية وتشغيل المحطات، بدأ الناس يلمسون فرقًا واضحًا، ولو تدريجيًا. الكهرباء هنا ليست مجرد خدمة، بل مؤشر على عودة الدولة إلى أبسط وظائفها: توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة.


التحول الأهم، وربما الأخطر، كان في ضبط الإيرادات. فعودة الموارد السيادية إلى القنوات الرسمية أنهت، أو بدأت بإنهاء، واحدة من أخطر ممارسات المرحلة السابقة: الاقتصاد الموازي. هذا الاقتصاد، الذي ازدهر في ظل الفوضى، اعتمد على الجبايات غير القانونية، وتعدد مراكز التحصيل، وتحويل المال العام إلى غنيمة سياسية. ومع عودة الإيرادات للبنك المركزي، بدأت الدولة تستعيد واحدة من أهم أدوات سيادتها: القرار المالي.


وقف الجبايات غير القانونية شكّل بدوره نقطة تحوّل نفسية لدى الشارع. فالتاجر، والموظف، والمواطن البسيط، كانوا يشعرون أن الدولة غائبة حين تُفرض عليهم رسوم بلا قانون، ولا يرون مقابلها أي خدمة. ومع بدء ضبط هذا الملف، تراجعت حالة الاحتقان، وبدأت العلاقة بين المواطن والدولة تتغير من علاقة قسرية إلى علاقة تنظيمية، حتى وإن كانت لا تزال في بداياتها.


الأثر المباشر لهذا التحول الاقتصادي ظهر في حياة الناس اليومية. فانتظام الرواتب، وتحسن نسبي في الخدمات، واستقرار نسبي في سعر الصرف، كلها عوامل أعادت شيئًا من الطمأنينة المفقودة. المواطن لا يقيس السياسة بخطاباتها، بل بما ينعكس على مائدته، وكهربائه، وقدرته على إعالة أسرته. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الدعم السعودي نجح في نقل المعركة من فضاء الشعارات إلى أرض الواقع.


لكن هذا النجاح يظل هشًا إذا لم يُدعّم بإصلاحات داخلية حقيقية. فالاقتصاد لا يُدار بالودائع وحدها، ولا بالكهرباء وحدها، بل بمنظومة متكاملة من السياسات. وإذا لم تستغل الحكومة هذه الفرصة لإصلاح منظومة الجمارك، والضرائب، والبنك المركزي، وضبط الإنفاق العام، فإن أي دعم خارجي سيتحول إلى مسكن مؤقت، لا إلى علاج مستدام.


الدعم السعودي في جوهره دعم مشروط بالاستقرار. فالمملكة لا تدعم اقتصادًا فوضويًا، ولا تموّل أنظمة جباية موازية، ولا تقبل أن يتحول دعمها إلى وقود للفساد. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن مراحل سابقة، حيث كان الدعم يُهدر في غياب الرقابة. اليوم، الرسالة واضحة: الاقتصاد يجب أن يكون في خدمة الدولة، لا في خدمة الصراع.


من زاوية أوسع، فإن استقرار الاقتصاد في الجنوب لا يخدم الجنوب وحده، بل يخدم المشروع الوطني ككل. فعدن، بوصفها عاصمة مؤقتة وميناءً محوريًا، تمثل رئة اقتصادية لليمن كله. وأي تعافٍ فيها ينعكس على حركة التجارة، والاستيراد، والخدمات، ويخفف الضغط عن بقية المناطق. ولهذا، فإن الاستثمار في استقرارها الاقتصادي هو استثمار في وحدة الدولة، لا في تفتيتها.


اللافت أن الشارع الجنوبي، الذي كان مسيّسًا حتى الإنهاك، بات اليوم أكثر حساسية للملف الاقتصادي من أي ملف آخر. الشعارات الكبيرة فقدت بريقها، بينما الخدمات اليومية صارت معيار الحكم الوحيد. وهذا التحول في الوعي الشعبي هو أحد أهم مكاسب المرحلة الجديدة، لأنه يُعيد السياسة إلى حجمها الطبيعي، ويضع الاقتصاد في موقعه الصحيح: أساس الاستقرار.


في المحصلة، يمكن القول إن الدعم السعودي نجح في تحويل الاقتصاد من عبء إلى أداة استقرار، لكنه لم يُنهِ المعركة بعد. فالطريق لا يزال طويلًا، والمخاطر قائمة، وأي تراجع في ضبط الإيرادات أو مكافحة الفساد قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر. لكن الفارق اليوم أن هناك فرصة حقيقية، وإرادة إقليمية داعمة، وشارعًا مستعدًا لمنح الدولة فرصة أخيرة.


الناس لا تريد شعارات… تريد كهرباء، وراتبًا، وكرامة.

والاقتصاد، في هذه المرحلة، هو الامتحان الأكثر صدقًا للدولة.