آخر تحديث :السبت-17 يناير 2026-05:59م
أخبار وتقارير
عبدالجبار باجبير يكتب :

سقوط المجلس الانتقالي: نهاية السلطة الموازية وبداية اختبار الدولة

السبت - 17 يناير 2026 - 04:09 م بتوقيت عدن
سقوط المجلس الانتقالي: نهاية السلطة الموازية وبداية اختبار الدولة
الصحيفة الورقية

سقوط المجلس الانتقالي: نهاية السلطة الموازية وبداية اختبار الدولة


عبدالجبار باجبير


لم يكن سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي حدثًا مفاجئًا أو طارئًا فرضته لحظة سياسية عابرة، بل كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من الأخطاء المتراكمة، وسلوك سياسي وأمني وإداري استند منذ لحظته الأولى إلى منطق القوة لا منطق الدولة، وإلى فرض الأمر الواقع لا بناء التوافق، وإلى إدارة المدن بعقلية الغلبة لا بعقلية الحكم. لقد جاء السقوط بعد أكثر من عشر سنوات من السيطرة شبه المطلقة على عدن، عسكريًا وأمنيًا وإداريًا وإعلاميًا، دون أن ينجح المجلس في تقديم نموذج واحد يمكن الدفاع عنه بوصفه مشروع دولة أو حتى نواة حكم رشيد.


خلال سنوات سيطرته، تعامل المجلس الانتقالي مع عدن باعتبارها مساحة نفوذ خاص، لا عاصمة مؤقتة لدولة يفترض العمل على استعادتها وبنائها. أُقصيت الحكومة، عُطلت المؤسسات، جرى تفريغ القانون من مضمونه، وتحولت الدولة إلى كيان رمزي بلا سلطة حقيقية. وفي المقابل، نشأت سلطة موازية بكل تفاصيلها: قوات، سجون، جبايات، إعلام، وقرارات تُتخذ خارج أي إطار دستوري أو قانوني. ومع الوقت، أصبح هذا الواقع عبئًا ثقيلًا على المدينة وسكانها، لا مصدر حماية أو استقرار.


سياسيًا، ارتكب المجلس خطأً جوهريًا حين اختزل القضية الجنوبية، بكل تعقيداتها التاريخية والسياسية، في كيان واحد وتنظيم واحد وخطاب واحد. تحولت القضية من مساحة جامعة لكل الجنوبيين إلى لافتة إقصائية تُرفع في وجه كل مخالف. لم يعد الخلاف السياسي يُدار بالحوار، بل بالتخوين والتخويف، ولم تعد الشراكة ممكنة، بل صارت تُقدَّم بوصفها ضعفًا أو تنازلًا. وهكذا، لم يُضعف المجلس خصومه فحسب، بل أضعف القضية الجنوبية ذاتها، حين جرّدها من بعدها الوطني الجامع، وحوّلها إلى صراع داخلي يستنزف الجنوبيين قبل غيرهم.


أمنيًا، كان المشهد أكثر قتامة. فبدل بناء جهاز أمني مدني محترف، خاضع للقانون، موحد القيادة، نشأت عشرات التشكيلات المسلحة ذات الولاءات المتعددة، تعمل في مساحة واحدة بلا تنسيق حقيقي، وبلا مرجعية مؤسسية واضحة. هذا التفكك الأمني أنتج بيئة مثالية للفوضى والانتهاكات، وفتح الباب أمام السجون غير الرسمية، والاعتقالات خارج القانون، وتصفية الخصوم، وتحويل الأمن من وظيفة لحماية الناس إلى أداة للترهيب السياسي. ومع مرور الوقت، فقد المواطن العدني أي شعور بالأمان، ليس خوفًا من عدو خارجي، بل من واقع داخلي مختل.


اقتصاديًا، شكّل تعطيل مؤسسات الدولة المالية أحد أخطر أوجه السيطرة. فالإيرادات السيادية لم تذهب إلى البنك المركزي، بل جرى تحويلها إلى قنوات موازية، فيما فُرضت جبايات غير قانونية على التجار والمواطنين، وأُهدرت الموارد، واستُبيحت الأراضي، وتحوّل المال العام إلى مصدر نفوذ خاص. النتيجة كانت كارثية: رواتب منقطعة أو غير منتظمة، عملة منهارة، خدمات شبه معدومة، وفقر متصاعد. ومع ذلك، استمر الخطاب السياسي في تحميل “الآخر” مسؤولية الانهيار، بينما كانت أدوات الحكم كلها بيد من يرفع هذا الخطاب.


اجتماعيًا، دفعت عدن ثمنًا باهظًا. تآكل النسيج الاجتماعي، تصاعدت خطاب الكراهية، وجرى استدعاء الهويات الضيقة لتبرير الفشل السياسي. أُنهك الناس، وتعبوا من الشعارات، واكتشفوا مع الوقت أن ما يعيشونه ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لغياب الدولة وسيادة منطق القوة. ولهذا، عندما جاء السقوط، لم تخرج عدن للدفاع عن المجلس، ولم تهتز الشوارع، بل ساد صمت ثقيل يعكس حجم الإحباط، وربما الرغبة في الخلاص.


في المقابل، شكّل الموقف السعودي نقطة التحول الفاصلة. فالمملكة العربية السعودية، التي دخلت اليمن بهدف دعم الشرعية واستعادة الدولة، لم تعد ترى في استمرار الكيانات الموازية خيارًا مقبولًا، خصوصًا مع تفاقم الأزمات وتحوّل عدن إلى عبء سياسي وأمني. ومع نضوج الرؤية الإقليمية، انتقلت الرياض من إدارة التوازنات إلى حسم مسار الدولة، واضعة حدًا لفكرة أن القوة وحدها تكفي لفرض واقع دائم. وعندما جاء القرار، كان واضحًا أن لا مكان بعد اليوم لسلطات خارج الدولة، ولا لتشكيلات لا تخضع لقيادة وطنية واحدة.


سقوط المجلس الانتقالي لم يكن استهدافًا للقضية الجنوبية، كما حاول البعض تصويره، بل كان في جوهره تصحيحًا لمسار خاطئ. فالقضية الجنوبية، بوصفها قضية سياسية عادلة، لا يمكن أن تنتصر عبر سلطة الأمر الواقع، ولا عبر عسكرة المدن، ولا عبر إقصاء الشركاء. بل تحتاج إلى مشروع سياسي جامع، وحوار مسؤول، ومؤسسات دولة حقيقية، تضمن الحقوق وتدير الخلافات ضمن إطار وطني وقانوني.


الأهم أن ما جرى وضع الجميع أمام سؤال حاسم: ماذا بعد؟ فعودة الحكومة الشرعية إلى عدن، واستعادة القرار المالي، وبدء توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية، ليست انتصارًا بحد ذاتها، بل بداية اختبار حقيقي. اختبار لقدرة الحكومة على أن تكون مختلفة في أدائها، لا في شعاراتها فقط. اختبار لمدى جدية الإصلاح، واستعادة ثقة الناس، وبناء نموذج حكم يحترم القانون ويخدم المواطن.


لقد انتهت مرحلة السلطة الموازية، لكن خطر الفوضى لا يزال قائمًا إذا لم تُحسن إدارة المرحلة الجديدة. فالناس اليوم لا تريد خطابات، ولا تبحث عن منتصر ومهزوم، بل تريد دولة: رواتب منتظمة، خدمات مستقرة، أمن مدني، وقانون يطبق على الجميع. وهذه المطالب البسيطة هي في حقيقتها جوهر أي مشروع وطني ناجح.


إن سقوط المجلس الانتقالي يمثل لحظة فاصلة في تاريخ الجنوب واليمن عمومًا. لحظة إما أن تُستثمر لإعادة بناء الدولة، أو تُهدر ويعود الجميع إلى دائرة الصراع. لكن المؤكد أن ما بعد هذه اللحظة لن يكون كما قبلها، وأن زمن الحكم خارج الدولة قد انتهى، وأن المستقبل – مهما كان صعبًا – لا يمكن أن يُبنى إلا على قاعدة واحدة واضحة: الدولة أولًا، والمؤسسات فوق الجميع، والسياسة بديلًا عن السلاح.