في لقاء موسّع جمعه بعدد من الصحفيين والإعلاميين والنشطاء السياسيين والمجتمعيين في العاصمة المؤقتة عدن، قدّم المستشار السعودي فلاح الشهراني رؤية شاملة لطبيعة مهمته في المدينة، مؤكدًا أن حضوره يأتي في إطار مهمة إنسانية وخدمية بالدرجة الأولى، تستهدف التخفيف من معاناة المواطنين، وتحسين مستوى الخدمات، وتهيئة بيئة مستقرة وآمنة تعيد لعدن دورها الطبيعي كعاصمة مدنية واقتصادية فاعلة.
وأكد الشهراني في مستهل حديثه أن المملكة العربية السعودية تنظر إلى عدن بوصفها مدينة محورية في معادلة الاستقرار اليمني، وأن أي تحسن في أوضاعها الخدمية والأمنية سينعكس إيجابًا على بقية المحافظات المحررة. وشدد على أن الإنسان العدني يقف في صدارة أولويات الدعم السعودي، وأن كل الجهود المبذولة تنطلق من فهم عميق لحجم المعاناة التي خلّفتها سنوات الحرب والتدهور الاقتصادي والخدمي.
وأوضح المستشار السعودي أن مهمته لا تقتصر على جانب واحد، بل تشمل مسارات متعددة ومتكاملة، في مقدمتها دعم القطاعات الخدمية الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، باعتبارها الركائز التي تقوم عليها الحياة اليومية للمواطن. وأشار إلى أن المملكة أسهمت، عبر برامجها المختلفة، في دعم استمرارية الكهرباء وتقليل ساعات الانقطاع، وتحسين إمدادات المياه، ودعم المرافق الصحية بالأدوية والمستلزمات، إضافة إلى الإسهام في دعم العملية التعليمية وصيانة بعض المدارس.
ولفت الشهراني إلى أن هذه التدخلات لا تُنفذ بشكل منفصل أو ارتجالي، بل ضمن رؤية متكاملة تقوم على التنسيق الوثيق مع قيادة السلطة المحلية في عدن والجهات الحكومية ذات العلاقة، بما يضمن توجيه الدعم إلى الأولويات الأكثر إلحاحًا، وتحقيق أثر ملموس ومستدام يشعر به المواطن في حياته اليومية. وأضاف أن الشراكة مع السلطات المحلية تمثل عنصرًا أساسيًا لنجاح أي تدخل إنساني أو خدمي.
وفي حديثه عن الجانب المجتمعي، أكد الشهراني أن المملكة تولي اهتمامًا خاصًا بدعم المبادرات المجتمعية المحلية، إيمانًا منها بأن المجتمع شريك أساسي في عملية التعافي والاستقرار. وأشار إلى أن دعم هذه المبادرات يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، وخلق حالة من التفاعل الإيجابي بين المواطنين والسلطات، ويعزز من ثقافة العمل المشترك لمواجهة التحديات.
وانتقل المستشار السعودي للحديث عن ملف الأمن والاستقرار، مؤكدًا أن تحسين الخدمات لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن بيئة أمنية مستقرة. وفي هذا السياق، تطرّق إلى خطة إخراج المعسكرات والقوات العسكرية من داخل محافظة عدن إلى خارج النطاق الحضري للمدينة، موضحًا أن هذه الخطوة تأتي في إطار رؤية تهدف إلى ترسيخ الطابع المدني للعاصمة المؤقتة، وتعزيز شعور المواطنين بالأمان، وإزالة المظاهر العسكرية من الأحياء السكنية.
وأوضح الشهراني أن وجود المعسكرات داخل المدن، مهما كانت المبررات، يفرض تحديات أمنية وإنسانية، ويؤثر على الحياة المدنية والاستثمار والتنمية. وأكد أن عملية إعادة تموضع القوات العسكرية ستتم وفق خطة مدروسة ومتفق عليها مع القيادة السياسية والعسكرية والسلطة المحلية، وبما يحفظ الجاهزية العسكرية ولا يخل بالمهام الدفاعية والأمنية.
وأشار إلى أن تنفيذ خطة إخراج المعسكرات سيتم على مراحل زمنية واضحة، وبآليات منظمة، تضمن انتقال الوحدات العسكرية إلى مواقع بديلة خارج المدينة، مع إعادة تأهيلها وتنظيمها بما يتناسب مع مهامها. وأضاف أن هذه الخطوة سترافقها عملية تعزيز للأجهزة الأمنية المحلية، بحيث تتولى تأمين المدينة بقوات ذات طابع أمني مدني، مدعومة بآليات وتجهيزات حديثة تتناسب مع طبيعة العاصمة.
وأكد الشهراني أن الهدف من هذه الإجراءات ليس عسكريًا بحتًا، بل إنساني وتنموي في المقام الأول، إذ إن تحويل مواقع المعسكرات داخل عدن إلى منشآت مدنية وخدمية سيتيح فرصًا جديدة لتحسين البنية التحتية، وتوفير مساحات لمشاريع خدمية وتنموية تخدم المواطنين، وتسهم في إنعاش الاقتصاد المحلي.
وفي سياق متصل، شدد المستشار السعودي على أن المملكة حريصة على أن يتم تنفيذ هذه الخطوات بروح التوافق والشراكة، بعيدًا عن أي صدامات أو توترات، مؤكدًا أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالتفاهم والثقة المتبادلة. وأشاد بتعاون القيادات المحلية والأمنية والعسكرية في عدن، معتبرًا أن هذا التعاون يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية المرحلة وحساسية المسؤولية.
وتناول الشهراني في حديثه التحديات التي تواجه عدن، مؤكدًا أن المدينة تحمل إرثًا ثقيلًا من التدهور الخدمي والتراكمات الإدارية والاقتصادية، وأن معالجة هذه التحديات تتطلب وقتًا وجهدًا وصبرًا. لكنه في الوقت ذاته عبّر عن تفاؤله بإمكانية إحداث فرق حقيقي، في ظل وجود إرادة مشتركة ودعم إقليمي صادق.
وأعرب المستشار السعودي عن تقديره لدور الإعلام والصحفيين والنشطاء، معتبرًا أنهم شركاء في عملية البناء والاستقرار. ودعا الإعلام إلى ممارسة دوره بمسؤولية، من خلال نقل معاناة المواطنين بموضوعية، وتسليط الضوء على مكامن الخلل، وفي الوقت نفسه إبراز الجهود الإيجابية التي تُبذل على الأرض. وأكد أن النقد البنّاء مرحّب به، لأنه يساعد على تصحيح المسار وتحسين الأداء.
كما شدد الشهراني على أن الدور السعودي في عدن لا ينطلق من منطلق الوصاية أو فرض الرؤى، بل من واجب أخوي وإنساني، وحرص على دعم اليمن وأبنائه في هذه المرحلة الصعبة. وأكد أن المملكة لا تبحث عن مكاسب آنية، بل عن استقرار طويل الأمد ينعكس أمنًا وتنميةً على اليمن والمنطقة.
وفي ختام اللقاء، وجّه المستشار السعودي رسالة طمأنة لأبناء عدن، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرارًا وتوسّعًا في الجهود الخدمية والإنسانية، إلى جانب استكمال خطوات إعادة تنظيم المشهد الأمني والعسكري بما يخدم الطابع المدني للمدينة. وأشاد بصمود أبناء عدن وتحمّلهم لسنوات طويلة من المعاناة، مؤكدًا أن هذا الصمود يستحق دعمًا حقيقيًا يترجم إلى خدمات واستقرار وفرص حياة أفضل.
واختتم فلاح الشهراني حديثه بالتأكيد على أن عدن قادرة على استعادة مكانتها ودورها الريادي، متى ما تضافرت الجهود وتوفرت بيئة آمنة وخدمات مستقرة، مشددًا على أن المملكة العربية السعودية ستظل داعمًا أساسيًا لكل ما من شأنه خدمة الإنسان العدني، وتعزيز الأمن والاستقرار، وبناء مستقبل أكثر إشراقًا للمدينة وأهلها.