عقد المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، مؤتمراً صحفياً في قصر الأمم بجنيف، استعرض خلاله تطورات الوضع الإنساني في اليمن والتحديات الكبيرة التي تواجه عمل الأمم المتحدة، محذّراً من تفاقم غير مسبوق للأزمة خلال عام 2026.
وقال هارنيس إنه عاد قبل أيام من مدينة عدن، مشدداً على أهمية التواصل المباشر مع وسائل الإعلام لشرح حقيقة الأوضاع الإنسانية في البلاد، مؤكداً أن “الوضع الإنساني في اليمن مقلق للغاية”.
وأوضح أن عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية بلغ خلال العام الماضي 19.5 مليون شخص، في حين لم تُموَّل خطة الاستجابة الإنسانية سوى بنسبة 28 في المائة فقط، مع توقعات بأن تكون الأوضاع أسوأ بكثير في عام 2026 نتيجة تداخل العوامل الاقتصادية والسياسية، وما تسببه من تفاقم انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في مناطق تهامة على ساحل البحر الأحمر.
وأشار إلى أن هذا التدهور ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع معدلات سوء التغذية، إلى جانب هشاشة النظام الصحي، الذي كان مدعوماً من الأمم المتحدة والبنك الدولي على مدى عشر سنوات، مؤكداً أن هذا الدعم سيتراجع بشكل كبير، في وقت لا تمتلك فيه الحكومة اليمنية أو سلطات الأمر الواقع في صنعاء القدرة على تمويل القطاع الصحي.
وحذّر هارنيس من أن اليمن، الذي سجّل أعلى معدلات الإصابة بالحصبة في العالم، وشهد تفشيات متكررة للكوليرا، بات عرضة بشكل خطير لانتشار الأوبئة، خصوصاً في المناطق الشمالية.
وفي السياق ذاته، أوضح أن عمل الأمم المتحدة في الشمال يواجه عوائق جسيمة نتيجة احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة منذ عام 2021 وحتى عام 2025، إضافة إلى الاستيلاء على مكاتب المنظمة، ما أفقدها الحد الأدنى من الظروف اللازمة لمواصلة العمل هناك.
وعبّر هارنيس عن قلقه الشديد على زملائه المحتجزين، وعلى تأثير هذه التطورات على إيصال المساعدات الإنسانية لليمنيين، مؤكداً أن الأمم المتحدة تعمل مع الشركاء الإنسانيين والمنظمات غير الحكومية لإيجاد بدائل، لكنها تفتقر إلى القدرات الفريدة التي لا تمتلكها سوى وكالات الأمم المتحدة، والتي تدعم حالياً نحو 2300 مرفق صحي أولي في مختلف أنحاء البلاد.
وفي رده على أسئلة الصحفيين، أشار هارنيس إلى أن اليمن لا يحظى بالاهتمام الإعلامي الدولي الكافي مقارنة بأزمات أخرى، رغم الاهتمام الواسع به في الإعلام الإقليمي العربي، مؤكداً أن ضعف التغطية ينعكس سلباً على حجم التمويل الدولي.
وبيّن أن التمويل الذي تم الحصول عليه العام الماضي بلغ نحو 688 مليون دولار، معرباً عن قلقه من مستقبل التمويل في ظل البيئة الدولية المقيدة، رغم أن اليمن لا يزال يمثل أولوية لمنسق الإغاثة في حالات الطوارئ في الأمم المتحدة.
وأكد أن الأمين العام للأمم المتحدة منخرط بشكل مباشر في ملف اليمن، سواء على الصعيد السياسي أو الإنساني، بما في ذلك قضية الموظفين المحتجزين، مشيراً إلى أن الأمين العام أثار هذا الملف مع عدد من الدول الإقليمية، من بينها سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية وإيران.
وحول أولويات العمل الإنساني خلال المرحلة المقبلة، شدد هارنيس على أن الصحة العامة، وسوء التغذية، وانعدام الأمن الغذائي تمثل المحاور الثلاثة الأساسية، نظراً لتأثيرها المباشر على معدلات الوفيات، خاصة بين الأطفال دون سن الخامسة.
ووصف هارنيس الأزمة اليمنية بأنها الأكثر تعقيداً التي عمل عليها خلال مسيرته الممتدة لعشرين عاماً في العمل الإنساني، مؤكداً أن “الرواية البسيطة التي يجب أن يفهمها الجميع هي أن الأطفال يموتون، وأن الوضع مرشح للتفاقم”.
وأوضح أن غياب الحلول السياسية هو العامل الرئيسي في ارتفاع عدد المحتاجين إلى نحو 21 مليون شخص هذا العام، مشيراً إلى أن تدهور الاقتصاد وتعطّل الموانئ والمطارات والخدمات الأساسية هو ما يغذي الأزمة الإنسانية، وليس القتال المباشر.
وفيما يتعلق بالتمويل الدولي، أشار إلى أن الولايات المتحدة لم تعد المانح الأكبر للاستجابة الإنسانية في اليمن كما في السابق، لكنه عبّر عن أمله في عودة الدعم، إلى جانب تعزيز مساهمة دول الخليج، مؤكداً أن الأزمة الإنسانية في اليمن تمثل خطراً عابراً للحدود في شبه الجزيرة العربية.
وفي ختام المؤتمر، دعا هارنيس وسائل الإعلام إلى تكثيف الاهتمام بالوضع في اليمن، مشيداً بدور المحللين المحليين والإقليميين، ومؤكداً أن المجتمع الدولي لا يزال قادراً، رغم التحديات، على منع ارتفاع معدلات الوفيات والمرض إذا توفّر الدعم اللازم.