ينام الأبناء، لكن الأب لا ينام.
يجلس على كرسي المطبخ الصغير، يمد يده ليغسل فنجان قهوته،يفكر فيهم، في ضحكاتهم الصغيرة، في صعوبات يومهم القادمة، وفي الطرق التي لن يسيروا فيها بعد سنوات.
الجسد منهك، يئن، لكنه لا يشتكي أو يبحث عن استعطاف.حمله ثقيل، لكنه يغرسه بين كتفيه كما يغرس الصبر في قلبه، ليبقى عبء الحياة بعيدًا عنهم.
يخرج مبكرًا، قبل أن تفتح المدينة عينيها، قبل أن تصحو الشمس على حواف البيوت ، يعود متأخرًا، صامتًا، وخطواته المثقلة وحدها من تتحدث فهو لا يعرف الكلمات.
وفي المساء، حين يهم الأطفال بالنوم، يراقبهم من باب غرفهم، يبتسم بابتسامة صغيرة، وكأنها تقول: “أنا هنا، دائمًا.”
تمر الأيام، و يكبرُ الأبناءُ بدورهم، ربما لو حاول إخفاء الخطوط على وجهه، لعاد أبناؤُه أطفالًا، لكن، مَن يقنع الشيب أن يوقف معركته؟ . يوشك الأبناءُ على النضج ومواجهة الحياة، ويأخذون معهم ملامحه، وبعضًا من صفاته، وطريقة جلوسه واستماعه، حتى أحلامُه يأخذونها منه. وحين يسقط أحدُهم، يجدونه هناك بمكانه، يحمل بين كتفيه تعبه ويلوح بحبّ: (أنا هنا كما كنت دائمًا)، يحملهم بين ذراعيه كما لو أنهم لا يزالون أطفالًا.