آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-03:26م
أدب وثقافة

الجملةُ الفعليّةُ في اللغةِ المهريّة: استنطاق التركيب في ضوء الأصالة الساميّة

الإثنين - 02 فبراير 2026 - 02:16 م بتوقيت عدن
الجملةُ الفعليّةُ في اللغةِ المهريّة: استنطاق التركيب في ضوء الأصالة الساميّة
(عدن الغد) مجيب الرحمن الوصابي:

ظلّ الدرس اللغوي السامي، وخصوصاً في تناوله للغات العربية الجنوبية القديمة، حبيس المقاربات الصوتية والصرفية زمناً طويلاً، وكأن التركيب النحوي مجال ثانوي في هذه اللغات. غير أن دراسة الباحث اليمني علي حسين بلحاف، تمثل تحوّلاً نوعياً في هذا المسار؛ إذ تنتقل باللغة المهرية من موقع (الشاهد اللهجي) إلى موقع (المختبر التركيبي) القادر على مساءلة كثير من المسلّمات النحوية في الدرس العربي التقليدي. واستناداً إلى هذه الدراسة، يسعى هذا المقال إلى استنطاق الجملة الفعلية في اللغة المهرية بوصفها نسقاً تركيبياً حياً، يكشف عن طبقات عميقة من الأصالة السامية، ويتيح إعادة النظر في عدد من القضايا الخلافية في النحو العربي، ولا سيما ما يتصل بالزمن، والإعراب، ورتبة مكوّنات الجملة


تكشف الدراسة أن النظام الفعلي في المهرية لا ينحصر في التقسيم الزمني الثلاثي المعروف في العربية الفصحى، بل يتجاوزه إلى نظام أكثر مرونة، تظهر فيه فئة من الأفعال يمكن وصفها بالأفعال المساعدة أو أفعال النوايا، وهي أفعال لا تؤدي الحدث بذاتها بقدر ما تعبّر عن موقف المتكلم أو قصده، وتتركب غالباً مع المضارع للدلالة على آنية الفعل أو استمراره. ويقود هذا النظام إلى تداخل دلالي لافت بين الأزمنة، حيث تستعمل صيغة الماضي أحياناً للدلالة على الحاضر، لا على سبيل المجاز البلاغي، بل وفق نسق صرفي خاص تُلحق به لواحق محددة تغيّر من قيمته الزمنية، وهو ما يضع المهرية في تماس مباشر مع ظواهر معروفة في العربية واللغات السامية الأخرى، ولكنها هنا تأتي بوصفها قاعدة لا استثناء.


أما على مستوى بناء الفعل، فتبرز المهرية نموذجاً نحوياً مختلفاً عن العربية الفصحى، إذ يغلب السكون على أفعالها، ولا تظهر العلامات الحركية إلا في أضيق الحدود. ويرى الباحث بلحاف أن هذا السكون لا ينبغي أن يُفهم بوصفه فقراً إعرابياً، بل على العكس، يمثل ما يمكن تسميته (الأصل السامي للإعراب)، حيث إن الحركة طارئة وليست بنيوية. ويعزّز هذا التصور بالرجوع إلى آراء بعض النحاة القدامى، مثل ابن يعيش، الذين ذهبوا إلى أن إعراب الأفعال بالحركات إنما كان نتيجة تشبيهها بالأسماء. ويظهر هذا الأصل الساكن بوضوح في الفعل الماضي المهري حين يرد مجرداً من اللواحق، ولا يطرأ عليه التغيير إلا عند اتصال ميم الجمع، وذلك لأسباب صوتية محضة لا تركيبية.


وفيما يتعلق ببنية الجملة الفعلية، تبيّن الدراسة أن المهرية تخضع في ترتيب مكوناتها لمبدأ دلالي صارم يمكن تسميته (أمن اللبس). فبسبب غياب العلامات الإعرابية الصوتية، يصبح ترتيب الكلمات هو الوسيلة الأساسية لتحديد الوظائف النحوية. ومن هنا يميل اللسان المهري إلى تقديم الفاعل، ولا سيما إذا كان اسماً ظاهراً، على الفعل، في نسق يخالف ما استقر عليه النحو العربي المعياري. ويؤدي هذا النظام إلى تضييق مساحة التقديم والتأخير، بحيث يُعدّ تقديم الفعل على الفاعل في بعض السياقات غير مقبول لغوياً، لا لأنه خطأ في ذاته، بل لأنه يهدد وضوح المعنى ويُدخل اللبس على الأدوار النحوية.


وتكشف المهرية كذلك عن محافظة لافتة على سمات لغوية عريقة، لعل أبرزها ما يعرف بلغة المطابقة، حيث يطابق الفعل فاعله في التثنية والجمع حتى مع وجود الاسم الظاهر. وهي الظاهرة التي عرفها النحاة العرب قديماً فيما سُمّي بلغة (أكلوني البراغيث)، ونُسبت إلى قبائل يمنية قديمة. غير أن حضورها في المهرية اليوم، بوصفها نظاماً مستقراً لا ظاهرة هامشية، يعيد النظر في تصنيفها التاريخي، ويمنحها قيمة تفسيرية عالية في فهم الخلافات النحوية القديمة.


أما نظام النفي في المهرية، فيتسم بدرجة كبيرة من الاختزال الوظيفي، إذ تعتمد اللغة أداة واحدة تؤدي معاني النفي المختلفة التي توزعت في العربية الفصحى بين (لا) و(لم) و(لن). والأكثر لفتاً للنظر هو موقع هذه الأداة، إذ تأتي غالباً متأخرة في نهاية الجملة بعد الفعل، من غير أن يخلّ ذلك بوضوح المعنى أو قوة الدلالة، مما يشير إلى أن النفي في المهرية ليس مرتبطاً بالموقع النحوي بقدر ارتباطه بالبنية الدلالية العامة للجملة.


وتخلص الدراسة، في محصلتها النهائية، إلى أن النحو العربي لم يكن وليد لهجة واحدة ولا نتاج تقعيد معزول، بل هو ثمرة تفاعل طويل بين أنساق لغوية متعددة، ظلت بعضُها-مثل المهرية- محافظة على جذورها العميقة خارج دائرة التدوين. ومن ثم فإن ما اعتبره النحاة الأوائل شذوذاً أو خلافاً مذهبياً يمكن، في ضوء المهرية، أن يُعاد فهمه بوصفه اختلافاً نظامياً بين لهجات سامية متجاورة. وهكذا تقدّم اللغة المهرية، بما تمتلكه من آليات اختزال واحتياج، مفتاحاً علمياً لإعادة قراءة التراث النحوي العربي على أسس أوسع وأكثر أصالة.


الحقُّ يُقال، ومن واقع معرفتي العميقة بالباحث علي بلحاف، والتي توطدت عبر سنوات من الرفقة والصداقة في تونس الخضراء؛ أجدني لا أبالغ إن قلت إنني أتوسم فيه مشروع عالمٍ فذّ في اللسانيات العربية. لقد لمستُ فيه شغفاً نادراً وتمكناً معرفياً قلّ نظيره، خاصة في غوصه الدقيق في أسرار اللغة المهرية. واليوم، أبشر اليمن الحبيب بأن ابنها البار ينسج بجهده وعلمه مستقبلاً مشرقاً يرفع ذكرها في المحافل العلمية.