تشهد محافظة صعدة، المعقل الرئيسي لميليشيا الحوثي، تحولات جذرية في هويتها البصرية والدينية، حيث برزت مؤخراً ظاهرة "سياحة الأضرحة" والمزارات المزخرفة التي باتت تنتشر في مختلف مديريات المحافظة، تزامناً مع حشود بشرية يتم استقدامها من مختلف المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة.
مزارات "مرّان" و"ضحيان".. طقوس مستوردة
أفادت شهادات محلية بأن الطرق المؤدية إلى مديريتي "مرّان" و"ضحيان" تشهد ازدحاماً لافتاً لقوافل الحافلات التي تنظمها الجماعة لنقل الموظفين والطلاب والشباب اليافعين. وتأتي هذه التحركات ضمن مناسبات طائفية مستحدثة، مثل ذكرى مقتل مؤسس الجماعة "حسين الحوثي" في أواخر شهر رجب، وما يسمى "أسبوع الشهيد".
ويرى مراقبون أن المشاهد القادمة من صعدة، حيث يتجمع الأتباع حول القبور لممارسة طقوس البكاء والتضرع، تعكس محاولة لمحاكاة الطقوس السائدة في مدن مثل "النجف" العراقية، في سعي حثيث لربط الأجيال الناشئة برموز الجماعة وتحويل صعدة إلى مركز روحي بديل يتجاوز الهوية اليمنية التقليدية.
بذخ على "القباب" رغم الدمار
رغم تعرض ضريح مؤسس الجماعة في منطقة "مرّان" للتدمير الكامل بغارات جوية عام 2015، إلا أن الميليشيا أعادت تشييده بتكلفة باهظة. ووفقاً لمصادر محلية، قامت الجماعة بشراء الأراضي الزراعية المحيطة بالموقع بمبالغ خيالية، حيث وصلت قيمة قطعة أرض صغيرة إلى 50 مليون ريال، وذلك لإنشاء ساحة واسعة أطلقت عليها اسم "المقام".
ولم يقتصر الأمر على المؤسس، بل امتدت حمى تشييد الأضرحة لتشمل قيادات أخرى، منها:
* عبدالله علي مصلح وزيد علي مصلح: شُيدت لهما قبور فاخرة في مرّان على هيئة مبانٍ متعددة الطوابق.
* طه المداني: بُني له ضريح فخم في مديرية "مجز" بعد سنوات من إخفاء خبر مقتله.
* صالح الصماد: خُصص له مزار واسع في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء.
* الرموز التاريخية: إعادة ترميم وزخرفة قبة "يحيى الرسي" في جامع الهادي بصعدة، وقباب أئمة آخرين في عمران وذمار.
التعليم والتغيير الديموغرافي
وفي خطوة موازية، تواصل الجماعة هدم مبانٍ تراثية محيطة بجامع الهادي بصعدة لإنشاء ما تسمى "جامعة الإمام الهادي"، وهي مؤسسة تعليمية مغلقة تقتصر على تدريس أدبيات الجماعة (الملازم) وكتب المرجعيات الهادوية، مما يعزز سياسة العزل الفكري والتعبئة العقائدية.
مفارقة: قصور الموتى ومعاناة الأحياء
تأتي هذه المشاريع العمرانية ذات التكلفة المليارية في وقت تعيش فيه محافظة صعدة وبقية مناطق سيطرة الميليشيا حالة من الانهيار الاقتصادي الشامل. فبينما تُستخدم أفخر أنواع السيراميك والأحجار الكريمة لتزيين الأضرحة، يفتقر المواطنون لأبسط الخدمات الأساسية، وتعاني البنية التحتية من تهالك تام، وسط اتساع رقعة الفقر والجوع.
ويختتم مواطنون من أبناء المنطقة حديثهم بالقول إن السياسة الراهنة تَعِد اليمنيين بمزيد من "القباب المزخرفة" للقيادات، في مقابل مزيد من البؤس والفاقة للأحياء الذين يُساق الكثير منهم إلى هذه المزارات "طوعاً أو كراهية" لإثبات الولاء.