تقرير خاص – لعدن الغد
مأرب – عبدالله العطار
في محافظة مأرب، التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى أكبر ملاذ للنازحين داخلياً في اليمن، يبرز مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل كأحد أهم الأذرع التنفيذية في إدارة الملف الإنساني وتنظيم قطاع العمل، وسط تحديات متصاعدة تتعلق بحجم النزوح واتساع رقعة الاحتياجات.
ومع استمرار تدفق الأسر إلى المحافظة، يعمل المكتب على مسارين متوازيين: الأول إنساني يركز على الحماية والدعم النفسي والتمكين، والثاني تنظيمي رقابي يعنى بسوق العمل ومنظمات المجتمع المدني.
_استجابة واسعة في مجال الحماية المجتمعية:
تكشف البيانات الصادرة عن المكتب عن حجم تدخلات كبيرة خلال الفترة الماضية، حيث استفاد 33,845 شخصاً من أنشطة المهارات الحياتية، التي تهدف إلى تعزيز قدرات الأفراد على التكيف مع ظروف النزوح وتحسين اندماجهم في المجتمع.
كما استفاد 13,599 شخصا من أنشطة التوعية المجتمعية المرتبطة بالحماية، وحقوق الطفل، ومخاطر العنف والاستغلال، في حين تلقى 4,730 مستفيدا خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والصحة النفسية والعقلية، في استجابة لآثار الصدمات التي خلفتها سنوات النزاع.
وفي مجال حماية الطفل، شارك 1,238 طفلاً في فعاليات نوعية وأيام مفتوحة نُفذت في المراكز المجتمعية، بينما استفاد 408 أطفال من خدمات إدارة الحالة المخصصة للأطفال المستضعفين، بما يشمل المتابعة الفردية والدعم المتخصص.
_من الإغاثة إلى التمكين الاقتصادي:
لم تقتصر جهود المكتب على الجانب الإغاثي، بل اتجهت نحو تعزيز سبل العيش والاعتماد على الذات، حيث حصل 2,075 مستفيداً على حقائب التمكين الاقتصادي لدعم مشاريع صغيرة مدرة للدخل.
كما استفاد 1,624 شخصاً من أنشطة الأشغال اليدوية والحرفية المنفذة في المراكز المجتمعية، وشارك 1,402 متدرباً ومتدربة في برامج التدريب المهني ضمن أنشطة إدارة المرأة والطفل، في خطوة تهدف إلى توفير مهارات عملية تعزز فرص العمل.
وفي جانب بناء القدرات المؤسسية، تلقى 102 متدربين تدريبات متخصصة، فيما شارك 1,284 شابا وشابة في أنشطة المبادرات الشبابية، إضافة إلى تنفيذ أنشطة رياضية استفاد منها 176 شخصا، في إطار دعم التماسك المجتمعي وتعزيز دور الشباب.
_تنظيم سوق العمل وتعزيز الرقابة:
على الصعيد التنظيمي، واصل المكتب دوره في ضبط سوق العمل، حيث أصدر 79 تصريح عمل للعمالة المحلية والأجنبية في القطاعين العام والخاص، إلى جانب إصدار 338 تصريحاً لمنظمات المجتمع المدني العاملة في المحافظة.
كما نفذ 160 حملة رقابة وتفتيش لمختلف القطاعات ضمن أنشطة إدارة الرقابة والتفتيش، وسجل 123 شكوى عمالية تم التعامل معها وحلها أو إحالتها للجهات القضائية المختصة، في مؤشر على تفعيل أدوات الرقابة وحماية الحقوق العمالية.
وفي الجانب الصحي المرتبط بتنظيم العمل، حصل 750 فرداً على شهادات اللياقة الصحية، ضمن إجراءات تنظيم مزاولة المهن.
_تصريحات رسمية: فجوة التمويل قائمة:
مدير عام مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بمحافظة مأرب، عبدالحكيم القيسي، أكد في تصريح خاص لـِ«عدن الغد» أن حجم الأرقام يعكس اتساع رقعة العمل، لكنه لا يغطي كامل الاحتياج الفعلي.
وقال القيسي:
"مأرب تستضيف أعدادا كبيرة من النازحين، ما يضع على عاتقنا مسؤولية مضاعفة في التنسيق مع شركاء العمل الإنساني وضمان وصول الخدمات إلى الفئات الأكثر ضعفاً. ركزنا خلال الفترة الماضية على تعزيز برامج الحماية والدعم النفسي والتمكين الاقتصادي، لكن الفجوة التمويلية لا تزال قائمة وتتطلب دعما أكبر من المانحين.
وأضاف أن المكتب يسعى إلى تعزيز التحول من الاستجابة الطارئة إلى برامج أكثر استدامة، خاصة في مجالات سبل العيش وتنمية القدرات المحلية.
_تحديات مستمرة وفرص للتعزيز:
رغم هذه المؤشرات الرقمية الإيجابية، يواجه المكتب تحديات مرتبطة باستمرار النزوح، وتقلص التمويل الإنساني، وضغط الخدمات في المخيمات والتجمعات السكنية. ويرى مختصون أن تعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية وتوسيع برامج التمكين الاقتصادي يمثلان مدخلاً أساسياً لتخفيف العبء الإنساني.
_قراءة في الأرقام: مأرب في صدارة الاستجابة المحلية:
عند مقارنة هذه الأرقام بالمشهد الإنساني في محافظات أخرى، يتضح أن مأرب باتت تمثل نموذجاً من حيث حجم الضغط الإنساني وكثافة التدخلات في آن واحد.
فبينما تعتمد غالبية المحافظات ذات الكثافة السكانية المستقرة على تدخلات محدودة نسبيا أو موسمية، تواجه مأرب وضعا استثنائيا بحكم احتضانها أكبر تجمع للنازحين داخليا، ما يجعل حجم الخدمات المقدمة فيها يفوق نظيراتها في كثير من المحافظات من حيث عدد المستفيدين وتنوع البرامج.
وتكشف أرقام المستفيدين من أنشطة المهارات الحياتية والدعم النفسي والتمكين الاقتصادي عن انتقال تدريجي من الاستجابة الإغاثية البحتة إلى مقاربة أكثر شمولا واستدامة، وهو تحول لا يزال محدودا في محافظات تعاني إما من ضعف الشركاء أو القيود الأمنية.
ومع ذلك، فإن اتساع قاعدة المستفيدين في مأرب لا يعني تلبية الاحتياج الكامل، إنما يعكس حجم الفجوة القائمة بين الموارد المتاحة والطلب المتزايد، ما يضع المحافظة في موقع متقدم من حيث حجم الاستجابة، لكنه أيضا في صدارة المحافظات الأكثر هشاشة أمام أي تراجع إضافي في التمويل الإنساني.
وهنا نخلص إلى أن أرقام مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بمأرب تعكس حجم تدخلات إنسانية وتنظيمية واسعة، شملت عشرات الآلاف من المستفيدين في مجالات الحماية والدعم النفسي والتمكين الاقتصادي وتنظيم سوق العمل.
وبينما تبقى التحديات قائمة، تمثل هذه الجهود أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي في المحافظة، ونقطة ارتكاز رئيسة في إدارة ملف النزوح على المستوى المحلي.