آخر تحديث :السبت-07 مارس 2026-06:00م
أخبار وتقارير

طبق "الشَفُوت".. "سيّد السفرة" وهوية اليمنيّين في رمضان

السبت - 07 مارس 2026 - 04:30 م بتوقيت عدن
طبق "الشَفُوت".. "سيّد السفرة" وهوية اليمنيّين في رمضان
عدن الغد - متابعات

تتحوّل مائدة الإفطار الرمضانية في اليمن إلى ما يشبه صورة بانورامية تُحفر عميقاً في ذاكرة الأجيال؛ فهي ليست مجرد تجمّع عابر حول الطعام، بل طقس يومي يختزل مشاعر روحانية ممتدة تمنح رمضان في اليمن خصوصية لا تشبهها أي بلاد أخرى.

فمنذ لحظة إعلان ثبوت الشهر الفضيل، تكتسي الحياة بطابع مادي وروحي فريد، يمتد من أزقة المدن القديمة وصولاً إلى الموائد، حيث يمتزج عبق البخور بطلائع الأطباق التقليدية التي تروي قصة إنسانٍ مرتبط بأرضه وهويته.

ومع ظهور هلال رمضان، يُعلن رمزياً اكتمال قمر "الشفوت"، الذي يضيء مائدة الطعام في كل بيت يمنيّ طوال أيام الشهر الكريم، من دون كلل أو غياب. ويُعدّ الشفوت "الوجبة الإلزامية" التي تكسر حواجز الطبقات الاجتماعية؛ فتجده يتصدر موائد الأغنياء والفقراء، ويُمثل حلقة وصل جامعة تتجاوز حدود الجغرافية لتشمل مختلف المحافظات اليمنية من شمالها إلى جنوبها.

ولأنها وجبة تسكن الوجدان بقدر ما تسكن الحواس، لم تكتفِ بالبقاء داخل الحدود، بل حملها اليمنيّون معهم في حقائب اغترابهم إلى شتّى بقاع الأرض، لتظلّ رائحة اللحوح واللبن المنكّه بالخضرة رابطاً حيّاً يجمعهم بوطنهم كلما حان وقت الإفطار.

لا تكتمل السفرة الرمضانية في اليمن من دون طبق "الشفوت"، الذي يُعدّ من أبرز المقبّلات الشعبية وأكثرها حضوراً في الوجدان الجماعي. وتعود جذور هذا الطبق تاريخياً إلى مدينة صنعاء العريقة، قبل أن ينطلق منها إلى مختلف ربوع البلاد، حيث تضفي كل أسرة لمستها الخاصة التي تميّز مذاقه وتحفظ له تنوّعه.

ويُعدّ "اللحوح" المكوّن الأساسي الذي لا يقوم طبق "الشفوت" من دونه. وهو عبارة عن أرغفة خبز رقيقة ومرنة، تتميّز بقوامها الإسفنجي المليء بالثقوب الصغيرة التي تمنحها قدرة فائقة على امتصاص اللبن. وتعود أصول صناعة اللحوح إلى تقاليد زراعية يمنية ضاربة في القدم، إذ يُحضّر من خليط دقيق الذرة (الحمراء أو البيضاء) والدقيق البني، ويُترك ليتخمّر طبيعياً لساعاتٍ عدّة حتى يكتسب مذاقه الحامض المميّز، قبل أن يُخبز بمهارة عالية على "الملوحة" تحت لهب نار هادئة، ليتشكل في هيئة أقراص دائرية تجمع بين الليونة والتماسك.

وعلى الرغم من حضور اللحوح على امتداد الخريطة اليمنية، فإنّ بعض المناطق اكتسبت شهرة تاريخية في إتقان صناعته حتى صار يُنسب إليها؛ فيبرز "اللحوح المحويتي" بجودته ونكهته الخاصة، كما يُعدّ "اللحوح العبسي" علامة فارقة في المائدة اليمنية، حيث تتوارث النسوة هناك أسرار تخميره وخبزه جيلاً بعد جيل. وتتعدد أنواع اللحوح بتعدد تضاريس اليمن، فمنه "اللحوح البلدي" الثقيل بالذرة الأصيلة، ومنه الأنواع الأكثر رقة التي تنتشر في المدن، لكنها جميعاً تلتقي في مغرفة "الشفوت" لتشكّل هوية بصرية ومذاقية توحّد اليمنيين من سهول تهامة غربي البلاد حتى جبال حضرموت شرقي البلاد.

ويكمن السر الحقيقي للشفوت في هذا التناغم الفريد بين اللحوح الطازج المخبوز بعناية، ومزيج اللبن الرائب المنكّه بالأعشاب الخضراء والبهارات العطرية التي تمنحه طعماً لا يُنسى. وتبدأ عملية التحضير بمزج أنواع الدقيق الثلاثة (الذرة، والبني، ومتعدد الأغراض) مع الخميرة والملح، وإضافة الماء الدافئ تدريجياً حتى يتشكل قوام سائل يُترك ليتخمّر مدة ساعة. ثم يُسكب المزيج على مقلاة ساخنة غير لاصقة حتى تظهر الفقاعات على كامل وجه اللحوح، فينضج ويُرفع عن النار. وبالتوازي، يُحضّر صوص "الشفوت" بخلط اللبن الرائب مع الكزبرة والنعناع والفلفل الأخضر والثوم والملح، لتُسقى به أقراص اللحوح حتى تتشرّب النكهة تماماً. وفي الختام، يُزيَّن الطبق بالكراث والطماطم والخيار وحبات الرمان، ليُقدَّم وجبة متكاملة تجمع بين العراقة والمذاق.

وفي حديثها عن سر المائدة اليمنية التي لا تكتمل إلا بـ"سيد السفرة"، تؤكد ربّة المنزل أم زياد، لـ"العربي الجديد"، أن "الشفوت" هو القاسم المشترك بين كل المنازل اليمنية، مهما باعدت بينها الجغرافية. وتقول: "الشفوت هو روح السفرة في رمضان، ومن دونه لا تكتمل اللمّة داخل الأسرة، فهو طبق أساسي في كل بيت يمني من صعدة إلى المهرة. صحيح نختلف من منطقة إلى أخرى في تفاصيل الخضار والبهارات، لكن اللحوح يظلّ هو الأصل والأساس الذي لا يتغيّر، والجميل في الشفوت أنه وجبة كريمة واقتصادية؛ الصحن الواحد لا يكلف سوى القليل، ومع ذلك يملأ السفرة بركة ويمنحنا طعم البلاد وروحانية الشهر".

وبين صخب نيويورك وضباب لندن وزحام القاهرة، يرفض المغترب اليمني أن تبتلعه ثقافة الوجبات السريعة، متمسكاً بطقوسه التي تبدأ دائماً بصحن "الشفوت". فهذه الوجبة ليست مجرد طعام، بل "بوصلة روحية" تعيد توجيه القلب نحو صنعاء أو عدن أو تعز. ومع حلول شهر رمضان، يتحول تحضير "الشفوت" في الغربة إلى طقس شبه مقدس؛ وفي غياب اللحوح البلدي، يبتكر المغترب حلولاً بذكاء الحنين، مستبدلاً إياه بخبز التورتيلا أو الفطائر الرقيقة التي تُشرّب بلبن ممزوج بالكزبرة والثوم والنعناع، ليبقى الطعم حيّاً والذاكرة متّقدة.

إنّ غمس الرغيف في اللبن المتبّل يُعدّ بالنسبة لليمني رحلة عودة قسرية إلى الجذور، واستحضاراً لروحانية ليالي رمضان وتجمعات العائلة التي باعدت بينها المسافات. "الشفوت" في الغربة إعلان صامت عن الهوية، وتأكيد على أن الانتماء لا يمحوه غبار المطارات، بل يُزهر في كل مرة يختلط فيها عبق السحاوق اليمني برائحة الغربة.

وبين حنين الاغتراب ووفاء الجذور، يروي المغترب اليمني في الولايات المتحدة الأميركية ناجي البعداني، لـ"العربي الجديد"، كيف استوطن اليمن مائدته الرمضانية، ويقول: "رمضان اليمن له طعم خاص ونكهة لا تعثر عليها في أيّ غربة. قبل أربعة أعوام عندما زرتُ البلاد، لم أفكر سوى في الملوحة التي حملتها معي إلى الولايات المتحدة من أجل إعداد اللحوح والشفوت بنفس الرائحة والمذاق الحقيقيّين. اليوم، عندما أتناول الشفوت عند الإفطار، أشعر أنّني عدتُ إلى بلادي وأهلي، وكأنّ رائحة تراب اليمن حاضرة على مائدة الغربة".

وعلى الرغم من الاعتقاد الشعبي السائد بأن "الشفوت" ابتكار صنعاني خالص، فإنّ بعض الروايات التاريخية تذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدةً أن الوجبة تمتد بجذورها إلى أكثر من 3800 عام، وتحديداً إلى الحقبة الحميرية، مع ارتباط وثيق بالطقوس اليهودية العبرانية التي كانت جزءاً من نسيج المجتمع اليمني القديم.

وتعود قصة انتشار الوجبة إلى قدسية "يوم السبت" أو ما يُعرف بـ "الشبوت"، إذ تحرّم العقيدة اليهودية العمل في هذا اليوم، ما دفع يهود اليمن قديماً إلى إعداد اللحوح المغموس باللبن يوم الجمعة وتركه ليتخمّر، ليكون وجبة جاهزة للأكل يوم السبت من دون الحاجة لإشعال نار، وهو ما يفسّر بقاء الوجبة باردة حتى اليوم.

ويربط المؤرخون اسم الوجبة بالكلمة العبرية "شفوعوت" (Shavuot)، التي تعني "عيد الأسابيع" المقدس، إذ درجت العادة التاريخية على تناول الألبان والخبز الرقيق مع الخضراوات بعد الصيام. ومع مرور القرون، انتقلت هذه الطقوس إلى المائدة اليمنية العامة، ليتحول طبق "الشفوت" إلى "سيد السفرة" في رمضان.

وهكذا، لم يغادر "الشفوت" الذاكرة اليمنية، بل تحوّل من طقس ديني خاص إلى رمز للهوية الوطنية المشتركة، يجمع بين عبق التاريخ الحميري وروحانية الليالي الرمضانية المعاصرة، مؤكداً أن المطبخ اليمني سجل حيّ لتلاقح الحضارات والثقافات.

ولا تقتصر أهمية "الشفوت" على كونه رمزاً ثقافياً، بل يتصدر المائدة الرمضانية باعتباره خياراً صحيّاً مثاليّاً يجمع بين الكربوهيدرات المعقدة والبروتينات والخمائر الطبيعية. وتؤكد متخصّصات في مجال التغذية أن سر تميّز هذه الوجبة يكمن في عملية التخمير التي يمر بها اللحوح واللبن، ما يجعلها لطيفة على المعدة بعد ساعات الصيام الطويلة، وقادرة على تهيئة الجهاز الهضمي لاستقبال الوجبات الأخرى من دون عناء.

وتقول المتخصّصة في مجال التغذية جواهر عبد الله خالد لـ"العربي الجديد" إنّ "الشفوت" يُعدّ من أصحّ الأطباق الرمضانية لخلوّه من الدهون وغناه بـ"البروبيوتيك" (البكتيريا النافعة الحيّة) وبروتين اللبن والألياف، ما يعزّز توازن ميكروبيوم الأمعاء ويسهّل الهضم. فاللبن المتخمّر في الوجبة يقلل بفعالية من الغازات والانتفاخات الشائعة بعد الصيام، ما يجعلها وجبة مثالية لراحة الجهاز الهضمي".

وتضيف جواهر أن "الشفوت" خيارٌ ذكي للرشاقة بفضل سعراته الحرارية المنخفضة (نحو 150 سعرة حرارية لكل 200 غرام) مقارنة بالمقليات مثل السمبوسة. وتنصح بتناوله عند بداية الإفطار، بعد التمر والماء مباشرة، لتهيئة جدار المعدة وترطيبها، ما يضمن امتصاصاً أفضل للغذاء، وتجنباً لثقل المعدة المفاجئ".