آخر تحديث :الإثنين-23 مارس 2026-11:25م
أدب وثقافة

عَليّ الدرُورة.. عطرُ الأمكنةِ وقاموس الذاكرة

الإثنين - 23 مارس 2026 - 10:13 م بتوقيت عدن
عَليّ الدرُورة.. عطرُ الأمكنةِ وقاموس الذاكرة
كتب/ مجيب الرحمن الوصابي:

ثمة رجالٌ يكتبون بمداد الحبر، وثمة من يكتب بمداد الروح، أما المؤرخ والأكاديمي السعودي الدكتور علي الدرورة، فقد اختار لنفسه مداداً من نوعٍ خاص؛ مداداً يفوحُ عبقاً كلما قلّبت صفحاته، حتى استحق عن جدارة أن يكون "شاعر البخور الأول" وسادن مباخره في هذا العصر.


يعود إلينا الدرورة في كل مرة متجدداً، يغزل من خيوط الدخون الأزرق حكاياتِ شعوبٍ وتاريخَ أمم.


ففي منجزه (البخور في الأمثال الشعبية)، لم يقدم مجرد موسوعة ألف بائية ، بل قدم خدمة جليلة للتراث العربي الإنساني، موثقاً بجهد السنين ما جرى على ألسنة الناس في الخليج والوطن العربي. وقد كان لي شرفُ مؤانسته في هذا الدرب، بتوثيق بعض الأمثال اليمنية التي تعكس عمق الروابط الوجدانية بين ضفتي المباخر.


إن الدرورة لا يكتفي بلقب الشاعر، بل هو الأنثروبولوجي الذي يرى في البخور مفتاحاً لفهم الثقافة والتاريخ.


ومن خلال (33) مؤلفاً متخصصاً في هذا العالم، يضعنا أمام مرايا الهوية؛ فنستوعب عبر "المجمرة" عاداتنا الإجتماعية، ومعتقداتنا الدينية، وقيمنا الأخلاقية. إن تحليل هذه الأمثال ليس ترفاً لغوياً، بل هو استكشاف للدلالات التي تطورت عبر الزمن، ومقارنة ذكية تكشف أوجه التشابه والاختلاف بين الثقافات العربية وشعوب العالم.


حين تتحدث إلى الدرورة، تكتشف أنك أمام "قاموس يمشي على قدمين". يدهشك بحفظه وتصانيفه؛ فلكل ميدان عنده معجم، من الزراعة إلى الفلك وصولاً إلى البحر. لكن البخور يظل أيقونته الكبرى.


إذا كان الإبداع هو تقديم المألوف بطريقة غير مألوفة، فإن الدرورة يقدم لنا "البخور" وكأننا لا نعرفه من قبل!


يقول فيه ما لم يقله النواسي في الخمر؛ ينسج له الروائح والمجالس، و الكرامات والأذواق، حتى بلغت دواوينه في البخور وحده ثمانية عشر ديواناً، وهو في طريقه لإشعال جذوة الديوان الثامن عشر.


لقد فُتن هذا الأكاديمي المخضرم بالجمال منذ ريعان شبابه الذي لا يغادره، منذ ديوانه الأول "زهور خضراء للموت" عام 1984م، وظل يتدفق عطاءً حتى صار ظاهرة ثقافية استثنائية.


في حديثي معه عن اليمن، أخذني في رحلة تاريخية مدهشة؛ من "القمندان" وبحثه عن مجمرة تليق بالاحتفال برحيل العثمانيين من لحج، إلى عوالم رواية "بخور عدني" لعلي المقري، وصولاً إلى أسرار خلطات البخور اللحجي والعدني و لبان سقطرى كأفضل لبان في العالم . لقد غاص الدرورة في تقنيات هذه الصناعة، وحلّل (18) نوعاً متداولاً من قبل الإسلام بين الهند والجزيرة العربية، ولم يغفل قط عن الجوانب التاريخية والأنثروبولوجية التي تجعل من "الدخون" طقساً حضارياً يمتد من المعابد القديمة إلى بيوتنا اليوم.


بينما كان يسرد عليّ بعض الأمثال اليمنية بلهجة العارف: "آخر بخورك يا عجوز"، و*"فوّح الشيطان يقوم يروح"*، شعرتُ أنني أمام باحثٍ يتنفسُ بخوراً ويكتبُ بخوراً.


علي الدرورة ليس مجرد مؤرخ، بل هو ذاكرة عطرية متقدة، استطاع أن يحول "الدخان" العابر إلى كنزٍ توثيقي باقٍ، ليظل اسمه مرتبطاً بكل "مجمرة" تشتعل بذكر التراث، وكل "مبخرة" تفوح بعبق الأدب الرفيع.