ما يجري اليوم في الأسواق بالمحافظات المحررة ليس مجرد فوضى أسعار عابرة، ولا نتيجة طبيعية لتقلبات الصرف كما يحاول البعض أن يوهم الناس، بل هو فضيحة اقتصادية وإدارية وأخلاقية مكتملة الأركان. فضيحة لأن سعر الصرف تراجع، والعملة الصعبة أصبحت متاحة بصورة أوسع، ومع ذلك بقيت الأسعار محلقة في السماء وكأن شيئًا لم يتغير. وفضيحة لأن المواطن المسحوق، الذي صبر على الانهيار وابتلع مرارة الغلاء، لم يلمس أي أثر لتحسن السوق النقدي على أبسط احتياجاته اليومية. وفضيحة قبل ذلك كله لأن الجهات الحكومية المعنية، وفي مقدمتها وزارة الصناعة والتجارة، تقف موقف المتفرج البارد، أو الأسوأ من ذلك، موقف الشريك بالصمت، وكأن ما يحدث لا يعنيها، وكأنها ليست مسؤولة أصلًا عن ضبط الأسواق وحماية الناس من هذا النهب المنظم.
القصة باختصار شديد أن التاجر حين كان سعر الصرف ينهار، كان يملك حجة جاهزة، وإن كانت في كثير من الأحيان ملوثة بالجشع والمبالغة. كان يقول إنه يشتري العملة الصعبة بسعر مرتفع، وإنه مضطر لاحتساب مخاطر الانهيار القادم، وإنه إن باع على السعر الحالي فسيخسر عند إعادة الاستيراد. كان هذا التبرير قذرًا في جوانب كثيرة، لكنه على الأقل كان يتخفى خلف واقع متحرك ومضطرب. أما اليوم فقد سقطت الأقنعة. اليوم لم تعد المشكلة في شح العملة الصعبة كما يقال، ولم تعد المسألة مرتبطة بانهيار متسارع كل ساعة، بل أصبح السعودي متوافرًا، وبات الناس يتحدثون عن إمكانية تصريف مبالغ كبيرة حتى من خارج شبكات الصرافة التقليدية، ومع ذلك ما زالت أسعار السلع مبنية على سعر صرف خرافي، أقرب إلى السرقة العلنية منه إلى التجارة.
هنا تحديدًا تظهر الجريمة الحقيقية: التاجر احتفظ بكل مبرراته القديمة بعد أن سقطت أسبابها. لم يخفض السعر حين انخفضت كلفة الاستيراد، ولم يعكس تحسن الصرف على قيمة السلع، ولم يشعر للحظة أن عليه التزامًا أخلاقيًا أو اجتماعيًا تجاه مجتمع يوشك على الاختناق. كأن السوق في بلادنا يعمل في اتجاه واحد فقط: إذا ارتفع الصرف ارتفعت الأسعار في نفس اليوم، وإذا انخفض الصرف بقيت الأسعار كما هي، لأن الغاية لم تعد حماية التجارة من الخسارة، بل تعظيم الأرباح إلى أقصى حد ممكن ولو على حساب الجوع والمرض وانهيار القدرة الشرائية للناس. وهذا ليس سلوكًا فرديًا هنا أو هناك، بل نمطًا واسعًا يكشف أن جزءًا معتبرًا من النشاط التجاري صار مبنيًا على الاستفادة من غياب الدولة، لا على قواعد المنافسة النزيهة ولا على ضوابط السوق العادلة.
لكن، ورغم قذارة هذا السلوك، فإن التاجر ليس وحده في قفص الاتهام. بل إن المسؤولية الأكبر تقع على الدولة، لأنها هي التي سمحت بتحول الجشع إلى سياسة عامة، والصمت إلى غطاء، والتقاعس إلى شكل من أشكال التواطؤ. فما وظيفة وزارة الصناعة والتجارة أصلًا إذا كانت لا تراقب الأسواق؟ ما معنى وجود مكاتبها، وموظفيها، ومديري عمومها، وإدارات حماية المستهلك فيها، إذا كان المواطن يشتري كيس الأرز وعلبة الحليب والزيت والسكر على أسعار وهمية لا علاقة لها بسعر الصرف الحقيقي؟ ما معنى هذه الهياكل الإدارية كلها إذا كانت عاجزة حتى عن إصدار نشرات سعرية ملزمة، أو تنفيذ حملات ميدانية مستمرة، أو فرض عقوبات رادعة على المخالفين، أو على الأقل الخروج إلى الناس بكلمة واضحة تشرح ما الذي يحدث؟
الحقيقة المرة أن الوزارة، في نظر الناس، لم تعد تمثل سلطة رقابية، بل صارت عنوانًا للفشل المترف. والرمزية المؤلمة هنا ليست في عجزها فقط، بل في المشهد الذي يصفه الناس حين يدخلون بعض المقرات الحكومية ويرون سيارات فارهة وحديثة ومظاهر بذخ لا تنسجم أبدًا مع مؤسسة يفترض أنها تعمل في بيئة اقتصادية منكوبة. حين يرى المواطن هذا التناقض الفج بين فقر دوره الرسمي وغنى مظهره الشخصي، فإنه لا يحتاج إلى كثير شرح ليفهم أن شيئًا عفنًا يجري في العمق. ليس المطلوب هنا إطلاق اتهامات جزافية بلا وثائق، لكن من حق الناس أن يسألوا: كيف تعجز وزارة عن تنظيم سعر كيس دقيق، بينما يبدو أن القائمين عليها يعيشون في عالم لا علاقة له بجوع الشارع؟ كيف تغيب الحملات الرقابية وتغيب المحاسبة وتحضر الرفاهية؟ كيف تُترك الأسواق للفوضى بينما المكاتب الرسمية تبدو وكأنها جزر منفصلة عن بؤس المجتمع؟
إن أخطر ما في المسألة ليس الغلاء وحده، بل أن هذا الغلاء صار يدار في ظل انهيار كامل لمفهوم الدولة. الدولة ليست شعارًا ولا موكب سيارات ولا اجتماعات بروتوكولية. الدولة هي أن يشعر التاجر أن هناك عينًا تراقبه، وأن يشعر المستهلك أن هناك جهة تحميه، وأن يعرف المسؤول أن منصبه تكليف لا فرصة استرزاق. أما حين يختفي هذا كله، فإن السوق يتحول إلى غابة، ويصبح التاجر الأقوى هو القانون، ويغدو المواطن مادة خامًا للابتزاز اليومي. وهذا ما نعيشه فعلًا. فالمشكلة لم تعد أن الأسعار مرتفعة فقط، بل أن رفعها يتم بلا أي خوف، وبلا أي احترام للعقل أو للمنطق أو للواقع النقدي الجديد. كأن هناك من يقول للناس بوقاحة: نعم نربح من أوجاعكم، ونعم نبالغ في التسعير، ونعم لا أحد يستطيع أن يفعل لنا شيئًا.
ولأن الناس ليست غبية، فهي ترى بوضوح أن ما يحدث ليس مجرد تقصير إداري، بل نتيجة شبكة مصالح واسعة تتغذى من الفوضى. فغياب الرقابة لا يمكن أن يستمر كل هذا الوقت من دون أن يصبح مصلحة لبعض المنتفعين. وترك السوق يتوحش بهذه الطريقة لا يمكن أن يكون مجرد صدفة أو ارتباك. نحن أمام حالة من التراخي الممنهج، أو على الأقل التراخي الذي أصبح له رعاة ومستفيدون. فكل يوم يمر بلا حملات تفتيش حقيقية، بلا محاضر ضبط، بلا إغلاق لمحال مخالفة، بلا إعلان أسعار مرجعية، بلا محاسبة علنية، هو يوم إضافي تمنح فيه الحكومة للتجار رسالة ضمنية تقول: افعلوا ما شئتم. وكل يوم تسمح فيه الوزارة بأن تباع السلع على سعر صرف 900 بينما الصرف الحقيقي بعيد عن ذلك، هو يوم تشارك فيه، بالصمت والغياب، في نهب المجتمع.
ومن أكثر ما يثير الغضب أن هذا العبث لا يضرب الكماليات، بل يضرب أساسيات الحياة. يضرب الطعام، والدواء، وحاجات الأسر اليومية، ويضرب العامل البسيط، والموظف الذي لم يعد راتبه يكفي أسبوعًا، والأرملة التي تحسب الريال قبل أن تدخل السوق، والمريض الذي يضطر للمفاضلة بين الدواء والغذاء، ورب الأسرة الذي صار يشعر بالإهانة كلما وقف أمام بقالة. حين يصل الأمر إلى هذا المستوى، فإن الصمت الرسمي يصبح جريمة أخلاقية قبل أن يكون فشلًا وظيفيًا. لأن الحكومة التي ترى هذا كله ولا تتحرك، أو تتحرك ببيانات باردة ووعود مكررة، هي حكومة تتخلى عمليًا عن دورها الاجتماعي، وتفقد واحدة من أهم مبررات وجودها.
ولا يكفي هنا أن يخرج مسؤول ليقول إن السوق حر. هذا كلام يُقال في الدول التي تملك أجهزة رقابة حقيقية، وقضاءً فعالًا، ومؤسسات منافسة، وشفافية في البيانات، وعقوبات تحطم الاحتكار والتلاعب. أما في حالتنا، فالسوق ليس حرًا بالمعنى الاقتصادي النظيف، بل منفلت بالمعنى الوحشي. والفرق كبير بين الحرية والفوضى. حرية السوق تعني التنافس العادل، أما فوضى السوق فتعني افتراس الضعفاء. وما لدينا اليوم هو افتراس واضح، لأن الأسعار لا تُبنى على الكلفة الحقيقية بقدر ما تُبنى على اختبار قدرة المواطن على التحمل، وعلى ضمان أن الرقابة ميتة أو نائمة أو مشتراة أو خائفة.
ثم إن السؤال الذي يجب أن يقال بصراحة هو: أين نتائج كل هذه الأجهزة؟ أين تقارير النزول الميداني؟ أين بيانات الضبط؟ أين القضايا المحالة للنيابة؟ أين أسماء التجار أو الشركات التي ضُبطت وهي تبيع وفق أسعار صرف وهمية؟ أين غرف العمليات المشتركة بين الصناعة، والسلطة المحلية، والشرطة، والنيابة، والضرائب، والجمارك؟ أين الشفافية؟ أين حتى الحد الأدنى من الاحترام لعقول الناس؟ لأن ما يراه الشارع اليوم هو مؤسسات تجيد الظهور في المناسبات، لكنها تختفي عندما يتعلق الأمر بلقمة المواطن.
وما يزيد المرارة أن هذه الأزمة تأتي في ظرف اقتصادي خانق أصلًا. الناس أنهكتها أزمة الرواتب، وأرهقها تراجع الخدمات، واستنزفها انهيار الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، ثم يأتي فوق ذلك جشع تجاري مدعوم بصمت حكومي بارد ليكمل ما تبقى من الخنق. ولذلك فإن القضية لم تعد قضية أسعار فقط، بل قضية هيبة دولة. فإذا كانت الحكومة عاجزة عن إلزام تاجر بتخفيض سعر سلعة بعد تحسن سعر الصرف، فماذا بقي من هيبتها؟ وإذا كانت وزارة الصناعة لا تستطيع حماية المستهلك من هذا الاستغلال الفاضح، فما الذي تفعله أصلًا؟ وإذا كان المسؤول يرى كل هذا الخراب ويكتفي بالصمت، فبأي وجه سيطلب من الناس الصبر غدًا؟
إن الواجب اليوم ليس النصح اللطيف، بل المواجهة. يجب أن يُقال للمسؤولين في وزارة الصناعة والتجارة وفي كل الجهات المختصة إن استمرارهم بهذا الأداء المخزي إهانة للناس وللدولة معًا. يجب أن تبدأ حملة رقابية يومية لا موسمية، علنية لا شكلية، يرافقها نشر أسعار استرشادية واضحة، وربطها المباشر بسعر الصرف الحقيقي، وإلزام كبار المستوردين والتجار بهوامش ربح معقولة، وإحالة المتلاعبين إلى القضاء، وإغلاق المحال التي ترفض الالتزام، ونشر أسماء المخالفين للرأي العام. غير ذلك كله مضيعة وقت وكلام للاستهلاك.
أما إذا عجزت الوزارة عن القيام بهذا الدور، أو لم ترد، أو كانت أسيرة مصالح أقوى منها، فليُقل ذلك بصراحة، وليغادر المسؤولون مقاعدهم. لأن بقاءهم بلا أثر صار عبئًا على الناس لا خدمة لهم. لا معنى لوزارة لا تحمي السوق، ولا قيمة لمنصب لا يدافع عن المجتمع، ولا احترام لمسؤول يرى النهب اليومي ثم يتصرف كأن الأمر لا يعنيه. الناس لم تعد تحتمل لغة المجاملات. ما يحدث أكبر من تقصير، وأفدح من خطأ، وأخطر من أن يُترك للرتوش الإعلامية.
الخلاصة أن السوق اليوم مكشوف، والمواطن مكشوف، والدولة وحدها غائبة. والتاجر الجشع وجد فرصته الذهبية لأن الرقابة ماتت، أو أُميتت، أو بيعت في المزاد. ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الأسعار، بل مع بنية فساد الصمت، ومع ثقافة الإفلات من العقاب، ومع طبقة من المسؤولين تعيش في مكاتب مكيفة وسيارات حديثة بينما الناس تُسحق في الأسواق. هذا هو جوهر المسألة. ولهذا فإن أي حديث لا ينتهي إلى محاسبة حقيقية، وإصلاح رقابي صارم، وفضح علني للمقصرين والمتلاعبين، سيظل مجرد كلام.
لقد آن الأوان لأن يفهم الجميع أن لقمة الناس ليست مباحة، وأن الصمت لم يعد حيادًا بل شراكة، وأن الوزارة التي لا تقوم بواجبها لا تستحق الاحترام ولا البقاء. هذه ليست قضية هامشية، بل واحدة من أكثر القضايا اتصالًا بكرامة الناس وبقايا ثقتهم في الدولة. وإذا لم تتحرك الحكومة الآن، بقوة وصرامة وشفافية، فإنها تكون قد منحت التجار الفاسدين رخصة مفتوحة لمواصلة النهب، ووقعت بنفسها شهادة عجزها أمام مجتمع أنهكه الألم ولم يعد يملك ترف الانتظار.