أكد المحامي والناشط الحقوقي توفيق الحميدي أنه حينما تواجه الدول الحية أزمات اقتصادية، تُعلن حالة الطوارئ الداخلية وتضع خططًا تقشفية لتجاوز مرحلة الخطر. وأضاف الحميدي أن دولة بحجم النمسا، التي تتمتع بمركز متقدم اقتصاديًا، استقرار مؤسسي، ورئيس يقرأ أولوياته بصرامة، تقلص مشاركتها الدولية في قمة المناخ بالبرازيل ليس لأنها عاجزة، بل لأنها تضع أولوياتها الوطنية في المقام الأول. وأشار الحميدي إلى أنه في مدن مثل فيينا، اختار بعض السياسيين العمل دون رواتب لفترة مؤقتة كاستجابة أخلاقية لأزمة مالية، حيث لا يُنظر إلى المنصب كامتياز بل كمسؤولية.
في المقابل، قال الحميدي إن المشهد اليمني يبدو وكأنه ينتمي إلى عالم آخر، بلد يعيش حربًا ممتدة، واقتصادًا منهارًا، وعجزًا ماليًا يلامس نصف الموازنة، دون أن نسمع ولو تلميحًا لفكرة التقشف كواجب أخلاقي أو وطني. وأضاف الحميدي أن هناك تضخمًا في الجهاز الإداري، واستمرارًا للرواتب بالدولار، وتمددًا غير مبرر للبعثات الدبلوماسية، وكأن اليمن تدير نظامًا عالميًا بدلاً من أن تكون دولة تبحث عن البقاء.
وأشار الحميدي إلى أنه حتى الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة في عهد ترامب لم تتردد في تقليص موظفي بعض سفاراتها، ضمن مراجعة شاملة لتخفيف العبء على الموازنة الأمريكية. وقال الحميدي إن الأمر في اليمن مختلف، حيث تتوجه وفود رسمية للمؤتمرات دون أي فائدة مرجوة، وبعض السفارات تبدو وكأنها كيانات قائمة بذاتها، منفصلة عن واقع الدولة، متخمة بالكوادر، بعيدة عن أي مساءلة حقيقية حول جدواها أو ضرورتها.
وأوضح الحميدي أنه كتب هذا المقال بعد أن قرأ تغريدة للصحفي محمد الغباري عن الوفود الرسمية المتوجهة إلى واشنطن لحضور اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد، رغم أن هذه المؤسسات كانت قد حضرت إلى عدن قبل أيام قليلة. وأضاف الحميدي أن أكثر من ثلاثة وزراء، بوكلائهم ومديري مكاتبهم، بالإضافة إلى محافظ البنك المركزي وطاقمه، في رحلة لا يبدو أن لها مبررًا حقيقيًا في ظل عجز مالي يصل إلى 48%. وعلق الحميدي قائلًا: "لا برنامج وطني يُناقش، ولا ملف حاسم يُطرح، ومع ذلك تُصرف الأموال وكأن الدولة في حالة فائض مالي لا عجز."
أكد الحميدي أن المسألة لم تعد تتعلق بالجانب الاقتصادي فحسب، بل أيضًا بالجانب الأخلاقي. وقال الحميدي: "ماذا يعني وجود وزارة في بلد لا يستطيع دفع رواتب موظفيه؟ ما معنى أن تكون هناك 33 وزارة في بلد يعاني من الأزمات؟ كيف يمكن لدولة في هذا الوضع أن تستمر في الإنفاق بنفس العقلية؟ وكيف يمكن للمسؤولين عن الشأن العام أن يتصرفوا وكأنهم خارج الأزمة؟" وأكد الحميدي أن المسألة تتجاوز سوء الإدارة إلى أزمة أخلاقية وغياب إحساس وطني يُعيد تعريف المسؤولية في زمن الانهيار.