شهدت محافظة حضرموت، شرقي اليمن، واحدة من أضخم مراسم العزاء في تاريخها الحديث، وذلك في قارة آل ثابت بمديرية وادي العين وحورة، عقب وفاة الحكم الشيخ صالح بن علي بن ثابت النهدي، في مشهد مهيب وغير مسبوق عكس حجم ومكانة الفقيد في الأوساط الاجتماعية والقبلية.
وتدفقت جموع المعزين بالآلاف من مختلف محافظات الجمهورية اليمنية، في حضور لافت امتد ليشمل وفودًا من سلطنة عُمان، في لوحة إنسانية نادرة جسدت عمق التقدير والاحترام الذي حظي به الراحل، وعكست مكانته كرمز اجتماعي بارز حاز إجماعًا واسعًا.
وامتدت طوابير المركبات لمسافات طويلة، وصولًا إلى مشارف قارة آل ثابت، في دلالة واضحة على كثافة الحضور غير الاعتيادية. واحتشدت قبائل حضرموت بمختلف مكوناتها، إلى جانب مشاركة مسؤولين حكوميين وقيادات أمنية وعسكرية، من بينهم قيادات في قوات الطوارئ ودرع الوطن، فضلًا عن قضاة وشخصيات اجتماعية ووجاهات قبلية وقيادات سياسية ومدنية.
ويؤكد هذا الحضور الاستثنائي أن الحكم صالح بن علي بن ثابت لم يكن شخصية عابرة، بل مرجعية جامعة وصوتًا حكيمًا تجاوز تأثيره حدود قبيلته ليشمل عموم اليمن، وهو ما تجسد في هذا المشهد الكبير من الوفاء والتقدير.
لقد كان الفقيد مثالًا نادرًا للرجل الذي جمع بين الحكمة والهيبة، فكان قوله فصلًا، ورأيه موضع ثقة، وسعيه دائمًا نحو الإصلاح وجمع الكلمة. لم يكن حضوره عابرًا، بل كان أثره ممتدًا في النفوس، يزرع الطمأنينة ويطفئ نار الخلاف.
وعُرف برجاحة العقل وسعة الصدر وحسن التدبير، فكان ملاذًا للناس في خصوماتهم، ومرجعًا يُحتكم إليه لما عُرف عنه من عدلٍ وإنصاف. وكان يؤمن بأن الكلمة الطيبة مفتاح القلوب، وأن الصلح خير من كل نزاع، فكرّس حياته لخدمة مجتمعه وتقريب وجهات النظر.
لقد رحل الجسد، لكن الحكمة التي تركها باقية، والمواقف التي سطّرها ستظل تُروى جيلًا بعد جيل، شاهدةً على رجل عاش كريمًا ورحل عظيم الأثر.
وبفقده، تكون حضرموت واليمن قد خسرتا واحدًا من الرجال المخلصين الذين تركوا أثرًا نبيلًا في خدمة الناس ووطنهم، واقترنت سيرتهم بالحكمة والعمل الاجتماعي الصادق، وسجلوا مواقف مشرّفة ستظل حاضرة في الوجدان العام، ودالة على معاني الوفاء والإخلاص والانتماء الوطني الأصيل.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل سيرته نورًا يُهتدى به، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.