تتواصل في أحياء العاصمة المؤقتة عدن ملامح صراع صامت بين تاريخٍ معماري عريق وموجة متسارعة من البناء الحديث، حيث لا تزال المباني القديمة، بما تحمله من طراز فريد وهوية متجذرة، تقاوم الاندثار في وجه مبانٍ إسمنتية جديدة بدأت تفرض حضورها على حساب الذاكرة البصرية للمدينة.
وتُظهر المشاهد اليومية في أزقة عدن القديمة، كما رصدت صحيفة عدن الغد، تباينًا واضحًا بين البيوت الحجرية ذات النوافذ الخشبية المزخرفة والتفاصيل المعمارية الدقيقة، وبين الأبنية الحديثة التي تغيب عنها الخصوصية الجمالية، ما يثير قلق المهتمين بالشأن العمراني والثقافي من فقدان المدينة لملامحها التاريخية.
ويؤكد مختصون أن الطراز المعماري القديم في عدن لا يمثل مجرد شكل هندسي، بل هو انعكاس لحقب تاريخية متعاقبة، تداخلت فيها التأثيرات المحلية مع عناصر معمارية قادمة من حضارات مختلفة، ما منح المدينة شخصية متفردة لا يمكن تعويضها في حال فقدانها.
وفي أحد أحياء كريتر، جلس أحد كبار السن أمام منزله العتيق، متأملاً الشارع الذي تغيّر كثيرًا من حوله، وقال: “هذه البيوت ليست حجارة فقط، هذه حياتنا وذكرياتنا.. كل زاوية فيها تحكي قصة”، مضيفًا أن اختفاء هذه المباني يعني فقدان جزء من روح المدينة التي نشأ فيها.
ويشير مهتمون بالتراث إلى أن غياب خطط واضحة لحماية المباني القديمة، إلى جانب ضعف الوعي بأهميتها، ساهم في تسارع عمليات الهدم والاستبدال، في ظل غياب رقابة حقيقية أو قوانين رادعة تحفظ هذا الإرث.
كما يلفت معماريون إلى أن الحفاظ على الطابع القديم لا يتعارض مع التطور، بل يمكن تحقيق توازن بين التحديث والحفاظ على الهوية، عبر ترميم المباني القديمة وتوظيفها بما يتناسب مع متطلبات العصر، بدلًا من إزالتها بالكامل.
وتبرز دعوات متزايدة لإطلاق مبادرات رسمية ومجتمعية تهدف إلى توثيق المباني التاريخية وحمايتها، وإدراجها ضمن قائمة المواقع التي يمنع العبث بها، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى مباني عدن القديمة شاهدة على تاريخ طويل، تحاول الصمود رغم التحديات، في انتظار وعيٍ حقيقي يعيد الاعتبار لقيمتها، ويحفظها للأجيال القادمة.
غرفة الأخبار / عدن الغد