آخر تحديث :الثلاثاء-28 أبريل 2026-01:18م
حوارات

حوار خاص

أحمد عمر بن فريد لـ«عدن الغد»: لا وصاية على شعب الجنوب.. والرياض بوابة أي تسوية قادمة

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - 11:43 ص بتوقيت عدن
أحمد عمر بن فريد لـ«عدن الغد»: لا وصاية على شعب الجنوب.. والرياض بوابة أي تسوية قادمة
حاوره / رئيس التحرير

في لحظة سياسية تبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، يعود ملف الجنوب إلى واجهة النقاش مجددًا، ليس بوصفه قضية محلية مؤجلة، بل باعتباره أحد مفاتيح التسوية الأوسع في اليمن والمنطقة. وبين دعوات الحوار الجنوبي – الجنوبي، وتبدل موازين القوى، وتراجع بعض المشاريع وصعود أخرى، تتزايد الأسئلة حول مستقبل الجنوب، وحدود الدور الإقليمي، وموقع المملكة العربية السعودية في أي مسار سياسي قادم.


في هذا الحوار المطول مع صحيفة عدن الغد ، يقدّم القيادي والسياسي أحمد عمر بن فريد قراءة صريحة للمشهد، متحدثًا عن أسباب الإخفاقات السابقة، وتجربة المجلس الانتقالي، وحاجة القوى الجنوبية إلى مراجعة عميقة، مؤكدًا أن أي حل عادل يجب أن ينطلق من قاعدة واحدة: أن الشعب هو وحده من يملك حق تقرير مستقبله السياسي دون وصاية أو فرض من أي طرف.


وفيما يلي نص الحوار:


عدن الغد: دعنا نبدأ حديثنا من آخر التطورات السياسية اليوم في جنوب اليمن واليمن عموماً، انتهت الحرب في المحافظات الجنوبية منذ عشر سنوات لكن هذه المحافظات لا تزال حتى اليوم تعيش ظروفًا صعبة.. برأيك أين كمن الخلل خلال الفترة الماضية؟

أحمد عمر بن فريد: في تقديري أن هناك أسبابًا عامة يمكن أن ترافق أي مناطق صراع في أي مكان في العالم، وفي أي حقبة زمنية أيضًا، وهي أن مناطق الصراع غالبًا ما تكون مضطربة على مختلف الأصعدة. وحينما نقول صراعًا لا يعني بالضرورة أن تكون فيها حروب مشتعلة، ولكن وضعها مرتبط بمناطق صراع أخرى تؤثر وتتأثر بها. والجنوب، حتى وإن تحرر من هيمنة الحوثي وقوات صالح في السنة الأولى لعاصفة الحزم، إلا أنه لا يزال يخضع حتى اللحظة لنتائج الصراع مع الحوثي، التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، وهذا سبب عام.

أما الأسباب الخاصة أو الذاتية، فهي تتعلق بحالة استثنائية من حيث توصيف وضع الجنوب وقضيته وشعبه الذي يسكن كل هذه الرقعة الجغرافية الشاسعة “الجنوب” أو الجنوب العربي كما أحب أن أسميه. هذه المساحة والشعب الذي يسكن عليها وقضيته السياسية المعترف بها، لا يزال أيضًا مرتبطًا عمليًا وقانونيًا مع سلطة الشرعية اليمنية، بما تحتويه هذه الشرعية من “خصوم سياسيين” لا يقلون، من وجهة نظري، خطورة على الجنوب وقضيته من الحوثيين أنفسهم، وهذا ما يدفع تلك القوى للدخول فيما يمكن تسميته بـ”الحرب الباردة” في أحسن الأحوال مع القوى الجنوبية، وأحيانًا في حروب مباشرة على الأرض كما شاهدنا ذلك في عدة محطات. كل ذلك ينتج بطبيعة الحال وضعًا مرتبكًا وغير مستقر في الجنوب، الذي هو ضحية لهذه التركيبة المعقدة التي وصفناها.


عدن الغد: أُعلن مؤخرًا عن نية المملكة العربية السعودية إقامة مؤتمر حوار جنوبي-جنوبي، ما رأيك بهذه الدعوة؟ وإلى أين وصلت الجهود؟

أحمد عمر بن فريد: الدعوة السعودية لعقد مؤتمر جنوبي – جنوبي في الرياض حدث مهم جدًا، كونها المرة الأولى التي يدعو فيها نظام عربي رسمي الجنوبيين للحوار على أرضه، إضافة إلى أنها تكتسب أهمية أخرى بحكم الثقل السياسي الدولي الذي تمثله المملكة العربية السعودية، وقدرتها الكبيرة على التحشيد الإقليمي والدولي والدعم السياسي، وبحكم الارتباط الجيوسياسي الذي يرتبط فيه الجنوب مع المملكة أيضًا، وكونها الدولة الأولى التي تدير وتتحكم في الملف اليمني بشكل عام. ولا شك أن قضية الجنوب وقواه السياسية في حاجة إلى حوارات جادة فيما بينها، ولكن من المهم جدًا، وكضمانة لنجاح الحوار، ألا يكون هذا الحوار معزولًا عن الواقع السياسي في الجنوب وعن طبيعة القضية وجوهرها، إذ عليه أن يتبنى الإرادة الشعبية الجنوبية ويعكسها في التمثيل والنتيجة أيضًا إن أُريد له أن ينجح. والجهود السعودية بلا أدنى شك تُبذل في مسارات تدرك فيها أنها تريد لهذا المؤتمر أن يكون بحجم هذه القضية وأهميتها، والرياض حريصة أيضًا على نجاح المؤتمر، ولهذا فهي لا تبدو متسرعة في الإجراءات الخاصة به، فهي ترسم طريق الحوار بهدوء وحذر أيضًا.


عدن الغد: سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على المحافظات الجنوبية خلال 7 سنوات تقريبًا، لكنه سقط لاحقًا بطريقة دراماتيكية… برأيك كيف تقيم هذه التجربة؟

أحمد عمر بن فريد: أعتقد أن تجربة المجلس الانتقالي تحتاج إلى تقييم حقيقي مستفيض، ولا يمكن لي أن أقيم تجربة طويلة في أسطر قليلة. ومن ناحية أخرى، دعني أختلف معك حول مضمون السؤال، لأن المجلس الانتقالي لم يسيطر بصورة مطلقة على المحافظات الجنوبية، والصحيح أنه كان يملك نفوذًا عسكريًا وأمنيًا كبيرًا في بعض المحافظات الجنوبية وليس كلها. فعلى سبيل المثال، كانت الشرعية بجناح حزب الإصلاح – الإخوان المسلمين – قد سيطرت على شبوة لأكثر من عامين ولم تنجح في تقديم صورة مختلفة، وكان المجلس الانتقالي في جميع الفترات ضمن ما كنت أسميه شخصيًا “شراكة مختلة” مع الحكومة الشرعية، وهذه الشراكة جعلت منه شماعة تُعلق عليها أخطاء جميع الأطراف، بينما يظهر شكليًا أن الانتقالي كان شريكًا بالمناصفة، والأمر ليس كذلك. لكن هذا لا يعني أن المجلس الانتقالي كان خاليًا من العيوب أو أنه لم يرتكب أخطاء في تلك المرحلة، أو أنه لم يكن ليستطيع أن يقدم شكلًا أفضل مما قدم، لا أستطيع أن أقول ذلك بطبيعة الحال، ولكن في المقابل علينا أن نعدل في التقييم ونضع جميع الأطراف في ميزان واحد بمعايير واحدة حتى يمكن أن نحصل على تقييم صحيح وسليم ومفيد أيضًا.


عدن الغد: ما هي الأخطاء التي وقعت فيها المكونات السياسية الجنوبية خلال سنوات ما بعد حرب 2015؟

أحمد عمر بن فريد: أعتقد أن دور المكونات السياسية الجنوبية في تلك المرحلة كان ضعيفًا نسبيًا، إذ إن صوت الحرب كان أقوى بكثير منها، وكانت المقاومة الجنوبية بعناصرها التي أتت نسبة منها من خارج الحراك الجنوبي قد أبهتت الدور السياسي لقوى الحراك، ولم تستطع المكونات الجنوبية أن تفرض نفسها في تلك الفترة لأن الظروف الإقليمية للحرب لم تكن لتساعدها على ذلك، بل يمكن القول إن دورها في تلك المرحلة كان غير مرغوب فيه، إلا إذا بدلت خطابها السياسي بشكل جوهري بما يتطابق مع خطاب عاصفة الحزم السياسي المتعلق بإعادة الشرعية اليمنية والدفاع عنها فقط، وهو ما فعلته بعض الأطراف الجنوبية كأفراد فقط لأغراض ذاتية صرفة، وبالتالي من الصعب أن نحاكم المكونات الجنوبية خاصة في تلك الفترة الزمنية المذكورة لأنها ببساطة شديدة لم تكن بيئتها أبدًا.


عدن الغد: نادت القيادات الجنوبية التي خرجت ضد صالح بالإصلاح والعدالة، لكنها حينما حكمت قدمت نموذجًا أسوأ بكثير.. برأيك أين كان يكمن الخطأ حيال هذه التجربة؟

أحمد عمر بن فريد: دعني أجيب على هذا السؤال الهام بشقين اثنين، الشق الأول أنه لا يمكن المقارنة نهائيًا بين التجربتين، لأن مثل هذه المقارنة لا تملك معايير منهجية صحيحة، إذ إنها تشبه المقارنة والمفاضلة بين لاعب كرة قدم ولاعب كرة سلة، وهي مقارنة لا تجوز أصلًا، لأن شروط وأحكام وقوانين وملعب كرة القدم تختلف تمامًا عن شروط وأحكام وقوانين وملعب كرة السلة. فعلي عبدالله صالح كان يحكم بـ”المطلق” دولة مستقرة ذات سيادة تملك مؤسسات وموارد مالية ضخمة، وكان يمكنه أن يقدم نموذجًا أفضل بكثير مما كان بما لا يقل عن خمسين مرة على الأقل، في حين أن القيادات الجنوبية لم تحكم بـ”المطلق” دولة مستقرة ذات سيادة، وإنما سيطرت على أجزاء من دولة مضطربة متشابكة تتصارع فيها قوى ومشاريع سياسية عديدة وفيها تداخلات إقليمية ودولية كثيرة أيضًا. أما الشق الثاني من الجواب، فهو نعم، كان بالإمكان بكل تأكيد أفضل مما كان بكثير جدًا، فإذا كان علي عبدالله صالح قد أخفق بما كان متاحًا له من مقدرات دولة، فقد أخفقت القيادات الجنوبية أيضًا في الوصول إلى الحالة المثلى بما كان متاحًا لديها من إمكانيات وفرص، خاصة فيما يتعلق بمستوى الوحدة الوطنية الجنوبية، لكن بشكل عام لا يجوز المقارنة بين الإمكانيات التي كان يملكها صالح والإمكانيات التي توفرت تحت تصرف القيادات الجنوبية من حيث الكم والكيف، ناهيك عن عوامل الاستقرار والتفرد الكامل بالسلطة ومؤسسات الدولة التي كان يملكها صالح ولم تملكها القيادات الجنوبية.


عدن الغد: يرى كثيرون أن المرحلة السابقة في جنوب اليمن كانت مرحلة هيمنة خارجية أفقدت الانتقالي قدرته على التعاطي مع الأحداث بعقلانية، وهو الأمر الذي أوصله إلى أن يكون ضحية صراع إقليمي… كيف يمكن تجاوز هذه المعضلة مستقبلًا؟

أحمد عمر بن فريد: دعني أقول إن ما حدث كان نكسة كبيرة للجنوب وقضيته الوطنية، وهو في جزء كبير منه كان نتيجة لصراع إقليمي أكثر من أي شيء آخر، لكنني أفضل في هذه المرحلة عدم الخوض في تفاصيل ما حدث أو تحميل هذا الطرف أو ذاك المسؤولية الكاملة أو الجزئية منها، لكنه حدث مزلزل يحتاج من قوى الجنوب إلى تقييم حقيقي داخلي. ومن المؤسف لنا جميعًا أن ما حدث وما أنتجه من دمار كبير على مختلف المستويات كان يمكن تجاوزه بقليل من الحكمة. ومهما يكن الحال، فلا بد من القول إن الهيمنة الخارجية لا تقتصر على الحالة اليمنية بشكل عام أو الجنوب بشكل خاص، فهي اليوم سمة تكاد تكون موجودة في مختلف مناطق العالم، والمعايير التي يقاس بها التدخل الخارجي اختلفت من ستينيات القرن الماضي على سبيل المثال عنها اليوم. فمن كان يتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تصور نفسها على أنها مشعل الحرية والديمقراطية سوف تقوم باختطاف رئيس دولة ذات سيادة من حجرة نومه وتستبدله بمن تريد! هذا حدث، وتحدث منه نماذج كثيرة في مناطق مختلفة، والسياسة اليوم تحتاج أن تتعامل مع ظروفها بمعايير مختلفة، وعلينا أن نحاول أن نجد لأنفسنا سبيلًا يحافظ على مصالحنا بدرجة رئيسية ويحافظ على الكرامة الوطنية أيضًا في نفس الوقت.


عدن الغد: هناك مشاريع سياسية متعددة تطرح رؤى لحل القضية الجنوبية، هل يمكن لكافة الأطراف السياسية بما فيها الوحدوية طرح رؤيتها للحل في مؤتمر الحوار القادم؟

أحمد عمر بن فريد: الحوار الجنوبي – الجنوبي القادم هو مؤتمر شامل لن يستثني أحدًا، وبحسب معلوماتي أنه لن تتمثل فيه أحزاب أو مكونات سياسية، وإنما شخصيات جنوبية تمثل مختلف محافظات الجنوب وفق معايير خاصة، وبطبيعة الحال ستطرح في المؤتمر رؤى مختلفة لحل قضية الجنوب، بما فيها الرؤى ذات التوجه الوحدوي، وسوف تتبنى المملكة العربية السعودية مخرجات هذا الحوار ونتائجه أيًا كانت. وفي تقديري أن مسألة التوافق لن تكون سهلة بين هذه القوى السياسية ذات التوجهات المختلفة، ولكن هناك صيغة ذهبية، إن جاز التعبير، يمكن أن تضع الجميع على أرضية مشتركة وسوف تكون مقبولة للجميع، وهذه الصيغة لا أدعي أنني صاحبها، فهي صيغة سبق أن طرحها الأستاذ الكبير عبدالرحمن الجفري قبل مؤتمر القاهرة ولم يؤخذ بها مع الأسف الشديد حينها، وهي لا تزال صالحة وستكون منقذة لنا جميعًا في الحوار الجنوبي القادم.

هذه الصيغة تقول ما يلي: من حق أي طرف أو شخصية جنوبية أن يكون له رأيه في كيفية حل قضية الجنوب، سواء كان ينادي بالوحدة المركزية مع صنعاء أو الفيدرالية الثنائية أو مخرجات الحوار اليمني من ستة أقاليم أو إقليمين أو فك الارتباط كما ننادي به نحن، ولكن ليس من حق أي طرف من هذه الأطراف أن يدعي أو يزعم أن رأيه يمثل رأي شعب الجنوب أو إرادته، وعلى جميع الأطراف أن تقبل بأن لشعب الجنوب الحق المطلق أن يقرر مصيره السياسي ويختار بمحض إرادته دون ضغط من أي طرف كان ما يراه مناسبًا له من بين تلك المشاريع السياسية المختلفة. هذه الصيغة من وجهة نظري هي صيغة عادلة جدًا، وهي تضمن للجميع أن لا أحد سيفرض على الآخر رأيه، ومن جهة أخرى فهي تنقل القرار إلى صاحب المصلحة الحقيقية وهو الشعب الذي عليه أن يقول رأيه ويتحمل مسؤولية قراره، وهي في نفس الوقت وسيلة سيقر بها العالم ويعترف بنتيجتها فورًا، وسوف ترفع الحرج عن الرعاة للحوار أيضًا حتى لا يقال إن هذا الخيار أو ذاك قد تم فرضه بهذه الطريقة أو تلك. في تقديري الشخصي أن من يرفض هذه الصيغة يعتبر بشكل أو بآخر إقصائيًا ومتسلطًا، وإلا لماذا يرفض أن يقرر الشعب مصيره؟ ومن منحه الحق أو التفويض كي يقرر نيابة عن الشعب مصيره السياسي؟ إنني شخصيًا، وعبركم، أدعو مخلصًا إلى تبني هذه الصيغة العادلة وجعلها معيارًا للحوار القادم لأنها ستمنع أي انقسامات من أي نوع كان، وستمنح الكل حرية التعبير عن معتقداته السياسية والترويج لها بما شاء شريطة عدم فرضها على الشعب بل ترك الشعب يقول رأيه الفاصل فيها جميعًا.


عدن الغد: يناهض العالم والإقليم والمحيط الدولي فكرة انفصال جنوب اليمن.. برأيك كيف يمكن للأطراف المتمسكة بفكرة الانفصال التعامل مع مشهد كهذا؟

أحمد عمر بن فريد: أولًا، مشروع استعادة الدولة الجنوبية هو حق وطني مشروع لشعب الجنوب، وهو ليس “فكرة” ولدت من العدم بل حق وطني، ومن ناحية أخرى لا أعلم لماذا يصور البعض هذا المشروع وكأنه مشروع شيطاني أو مؤامرة خارجية أو نهاية للعالم. وأنا كسياسي أعلم تمامًا أن المواقف الدولية تجاه مختلف القضايا تتعلق بـ”المصالح” التي تعتقد تلك الدول أنها ستحصل عليها من موقفها السياسي، وهي تفعل ذلك وفقًا لمعايير المصالح وليس وفقًا لمعايير عدالة القضية، وهذه مسألة معروفة لنا جميعًا. ولكن على أصحاب هذه المواقف أن يعلموا أن رفض حقنا في استعادة الدولة سيعني من جهة أخرى “فرض الوحدة” بقوة السياسة على الجنوب، وهذا الأمر إن حدث بهذه الطريقة أو تلك لن ينتج استقرارًا في الجنوب بشكل خاص واليمن والإقليم بشكل عام، وبالتالي لن تتحقق مصالحهم التي حددوا موقفهم على أساسها. ومن جهة أخرى فإن حدوث مثل هذا الأمر يتنافى مع جميع القوانين الدولية التي قام عليها مشروع الأمم المتحدة، والتي يأتي في مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها. ويبقى الأهم من كل ذلك في رأيي الشخصي أن المملكة العربية السعودية وعلى مستوى قياداتها قد أعلنت أنها سوف تتبنى مخرجات الحوار الجنوبي – الجنوبي أيًا كان سقفها بما في ذلك خيار فك الارتباط، كما سبق لسعادة سفير خادم الحرمين الشريفين محمد سعيد آل جابر أن قال في مقابلة تلفزيونية له إن مسألة بقاء الوحدة من عدمها شأن يمني داخلي، شريطة أن لا يفرض خيار الوحدة أو الانفصال بالقوة من قبل طرف على طرف. ونحن مع هذا الطرح، ففرض الوحدة أو الانفصال مسألة مرفوضة سواء فرضت بقوة السلاح أو بقوة السياسة، ولكن من المهم التأكيد على أن الكرة في ملعب الجنوبيين أنفسهم، وعليهم أن يتحملوا المسؤولية تجاه شعبهم وفق ما ذكرت في الإجابة السابقة.


عدن الغد: كيف يمكن للأطراف السياسية الجنوبية أن تتجاوز إخفاقات المجلس الانتقالي خلال الفترة القادمة؟

أحمد عمر بن فريد: أولًا لا يمكن أن نقيم أداء المجلس الانتقالي في إجابة قصيرة كما أسلفت، ولكن يجب القول إن أي طرف سياسي أو حتى دولة يمكن لها أن تصيب وأن تخطئ، والمجلس الانتقالي ليس استثناء، فقد أصاب حينًا وأخطأ حينًا. ولكنني أعتقد أن التركيز على الوحدة الوطنية الجنوبية وخلق حالة مثلى منها في مختلف محافظات الجنوب كان من أهم أخطاء المجلس الانتقالي، وهذا الأمر يجب أن يكون هدفنا الأول في المرحلة القادمة، لأن وحدة الصف الجنوبي والوصول إلى مرحلة متقدمة من هذا المتطلب هو أهم سلاح يمكن أن يملكه أي سياسي، كما أنه من المهم جدًا أن نبتعد عن منهجية التخوين والتشكيك وتوزيع صكوك الوطنية على كل من يتفق أو يختلف معنا في الرأي، وأن نمنح الآخر الجنوبي حقه الكامل في التعبير عن رأيه.


عدن الغد: برأيك.. كيف للأطراف السياسية أن تعزز علاقة إيجابية مع المملكة العربية السعودية؟

أحمد عمر بن فريد: خلال المرحلة السابقة، وحينما كنا نلتقي مع دبلوماسيين أجانب أو مراكز أبحاث، كان الكل يقول لنا بالحرف الواحد: لا تبحثوا عن حل قضيتكم الوطنية لدينا، عليكم أن تعلموا أن مفتاح حل قضيتكم في الرياض. هذه حقيقة يجب أن ندركها وأن نتعامل معها بمسؤولية كاملة، وفي تقديري الشخصي أنه يجب أن تكون لنا علاقات ممتازة مع جميع دول الخليج العربي، ولكن يجب أن تكون لنا علاقة أكثر من ممتازة مع المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، لأنها الدولة الأقوى والأكثر نفوذًا وتأثيرًا، وهي فوق كل ذلك لنا معها حدود جغرافية طويلة، وتربطنا معها علاقات تاريخية ممتدة، ونتبادل معها ثقافة وعادات وتقاليد ومذهبًا دينيًا واحدًا. ومن المؤسف أنه في مرحلة ما قبل الوحدة لم يحسن النظام في عدن التعامل مع الجارة الكبرى، وكانت علاقة عدن بالرياض ليست إيجابية عبر تلك المراحل، حتى عندما حاول الراحل الرئيس سالم ربيع علي أن يقيم علاقة إيجابية مع المملكة لم تسمح له البيئة السياسية المحيطة به حينها المضي في ذلك. وحاليًا أعتقد أننا أمام فرصة تاريخية كي نبني علاقة استراتيجية للجنوب مع المملكة، وفي تقديري أنه لا يمكن للمملكة بجميع الحسابات السياسية أن تسلم الجنوب بما يمثله من فضاء استراتيجي هام لها لجماعة عبدالملك الحوثي أو لجماعة الإخوان المسلمين، لأنها إن فعلت ذلك فهي تكون قد منحت نظام طهران مكانًا واسعًا في خاصرتها الجنوبية. أعتقد أن الظروف اليوم مواتية كما قلت تجاه بناء علاقة مثلى مع السعودية، وعلى أن نستثمر هذه الفرصة بعيدًا عن المزايدات التي لن تفيدنا، وأنا أدعو صراحة لمزيد من الحوارات مع النخب السعودية ومراكز الدراسات فيها حتى في مرحلة ما قبل الحوار الجنوبي – الجنوبي، ومن جهة أخرى أعتقد أنه من المهم جدًا على الجانب السعودي أن يستمع إلى ما نقدمه له من نصائح لأننا أكثر فهمًا بتعقيدات مجتمعنا الجنوبي وقضيتنا الوطنية.


عدن الغد: يرى كثيرون أن جنوب اليمن بعد خروج المجلس الانتقالي من المشهد بحاجة لترتيب صفوفه السياسية وإظهار كيان سياسي جديد يقود العملية السياسية.. هل تتفق مع هذا الطرح؟ وكيف؟

أحمد عمر بن فريد: لا شك أن هناك فراغًا سياسيًا كبيرًا موجود حاليًا في المشهد السياسي الجنوبي، ومثل هذا الفراغ إذا لم تملأه قوة سياسية منظمة وقوية ومؤهلة، فسوف ينمو هذا الفراغ ويمكن أن تملأه الفوضى والمناطقية وربما تستغله المنظمات الإرهابية كذلك. الجنوب كمنطقة استراتيجية كبيرة وكشعب عظيم وكقضية وطنية عادلة لا غبار عليها يجب أن يتمثل في مكون سياسي قوي ومنظم، كما لا يجب بأي حال من الأحوال أن يتم التعامل مع الجنوب وقضيته تبعًا للمتغيرات في المنطقة والإقليم أو بناءً على مصير ما يمكن أن يحدث أو لا يحدث للحوثيين، هذا الأمر إن حدث فهو مؤسف جدًا وكارثي. الجنوب يستحق أن تكون له مقاربة استراتيجية واضحة لا علاقة لها نهائيًا بأي متغيرات تحدث أو لا تحدث. ومن جانب آخر أعتقد أن على النخب السياسية الجنوبية أن تخرج من محطة الانتظار وأن تبدأ بتحمل المسؤولية وأن تجري فيما بينها حوارات جادة في هذه المرحلة التي تسبق الحوار الجنوبي، حتى لا يأتي موعد الحوار ونجد أنفسنا في حالة مواجهة مع بعضنا البعض. ما الذي يمنعنا اليوم من التواصل فيما بيننا وتبادل وجهات النظر وبناء أرضية وطنية صلبة نقف عليها جميعًا؟ شخصيًا ومع مجموعة من الفاعلين السياسيين في الجنوب بدأنا مثل هذا العمل، ولم أتردد شخصيًا في التواصل مع جميع الأطراف والشخصيات الجنوبية، وهناك تقدم كبير تم إنجازه حتى الآن.


عدن الغد: بسبب الإخفاقات السياسية التي تلت 2015 تعالت أصوات جنوبية تطالب بالحفاظ على الوحدة اليمنية.. هل يعني ذلك إخفاقًا لمشروع الانفصال ذاته؟

أحمد عمر بن فريد: أولًا دعني أكرر أن المشروع الوطني الجنوبي لم يدر دولة ذات سيادة حتى يمكن الحكم على التجربة إن كانت ناجحة أو فاشلة، وبالتالي سيكون الحكم غير ذي معنى في حالة كهذه، كما أنه لا يجب أن يُحكم على مشروع وطني كبير نتيجة لتصرفات أو أفعال مسيئة حدثت هنا أو هناك، لأن العالم مليء بالسلوكيات الخاطئة. وأنا هنا لا أدافع عن بعض ما حدث في عدن أو غيرها، لا أبدًا، فحينما كنت أسمع عن بعض التصرفات أو السلوكيات كانت تدمي قلبي، كما كانت تدمي قلوب الملايين من أبناء الجنوب، وكان الشعب بشكل عام يحتج ويعترض ويوصل صوته قويًا إلى المعنيين بالأمر. والأهم من وجهة نظري، وفقًا لمضمون السؤال، أننا لم نرَ أصواتًا تنادي بالوحدة اليمنية حاليًا، وحينما أقول ذلك أنا لا أقصد حالات أفراد وإنما أقصد أن حالة توجه شعبي واضحة خرجت إلى الشارع وأعلنت أنها تراجعت عن مشروعها الوطني الجنوبي لصالح الوحدة، بل على العكس، ها نحن نشاهد مليونيات تخرج في مختلف مناطق الجنوب متمسكة بخيارها الوطني الواضح في استعادة الدولة أو فك الارتباط، مع كامل احترامي للأصوات القليلة جدًا المخالفة.


عدن الغد: كيف يمكن التعاطي مع القوى السياسية الجنوبية التي تطالب ببقاء الوحدة وإصلاحها… والسؤال الأكبر ماذا لو اختار الجنوبيون البقاء مع الوحدة مع إصلاحها؟

أحمد عمر بن فريد: كنت ولا زلت أقول إن من ساعدته الظروف من الشخصيات السياسية الجنوبية على الظهور والبروز إنما حدث ذلك في جزء كبير جدًا منه نتيجة لقضية الجنوب وتضحيات الشعب، وعلينا تبعًا لذلك أن نحترم ذلك وأن نقر به، كما أنه من المهم جدًا وبدرجة أكبر أن نتواضع وأن نفهم جيدًا أنه لا أحد عليه أن يدعي أنه يمثل هذا الشعب بشكل مطلق أو أنه يفهم أكثر من الشعب أو أنه وصي على هذا الشعب العظيم. وإذا ما دافعنا جميعًا عن خيار الشعب في تقرير مصيره السياسي فسوف نكون قد قدمنا لأنفسنا ولقضيتنا ولبعضنا البعض كل الاحترام والتقدير والحل المرضي أيضًا. أنا شخصيًا، وأنا من أصحاب مشروع فك الارتباط أو استعادة الدولة، أعلن بأنني لست وصيًا على شعب الجنوب، وأنني أقبل ما يقبل به شعب الجنوب بمحض إرادته سواء أراد البقاء في الوحدة أو أراد الانفصال. فهل يمكن للزملاء من القيادات الجنوبية الذين هم من دعاة الوحدة اليمنية أن يقبلوا بما أقبل به؟ إن قبلوا فليس بيننا أي خلاف نهائيًا، فهم أحرار فيما يرونه ويعتقدون به تجاه الوحدة من عدمها، هذا حق شخصي لهم، وإن رفضوا ذلك تحت أي مبرر أو ذريعة فهذا يعني أنهم ضمنيًا يضعون أنفسهم أوصياء على الشعب، وضمنيًا يمكن وصفهم بأنهم إقصائيون وديكتاتوريون ولا يحترمون شعبهم. ومن لديه مواصفات وإمكانيات ذاتية خارقة تجعل منه وصيًا على الشعب وأكثر فهمًا من ملايين البشر على تقدير أين تكمن مصلحتهم، عليه أن يقنعنا بذلك وعليه أن يقنع الشعب أيضًا بتلك المواصفات والمعايير التي يملكها ولا تملكها عباقرة العالم في السياسة وحقوق الإنسان الذين وضعوا حق تقرير المصير مبدأ لا خلاف عليه. أيها السادة، دعوا شعب الجنوب يقرر مصيره بمحض إرادته ويتحمل مسؤولية خياره، ونحن معه في أي خيار يذهب إليه ويختاره.