في لحظات تنكسر فيها الكلمات على أعتاب الفقد، ويضيق فيها المعنى أمام ثقل المصاب، تبدو بعض المواقف أكبر من أن تُروى كخبر، وأعمق من أن تُختصر في سطر. من بين تلك اللحظات، جاءت زيارة الفريق محمود الصبيحي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، إلى منزل الشهيد الدكتور عبدالرحمن الشاعر، الذي امتدت إليه يد الغدر والإجرام، لتتحول إلى مشهد إنساني بالغ الدلالة، تختلط فيه مسؤولية الدولة بنبض الإنسان، ويذوب فيه الرسمي أمام صدق الشعور.
في بيت الشهيد، لم تكن الجدران وحدها التي حملت الحزن، بل كانت الأرواح مثقلة بغياب مفاجئ لا يُقاس بفراغ مادي. هناك، حضر الفريق الصبيحي لا كمسؤول يكتفي بواجب العزاء، بل كإنسان يقترب من الجرح دون حواجز، ويستمع إلى الألم كما يُروى لأول مرة، دون مقاطعة أو تكلّف. جلس إلى أسرة الشهيد، وأنصت إلى ما لا تقوله الكلمات بقدر ما تعكسه العيون، وشاركهم لحظة الصمت التي تعجز فيها اللغة عن مواكبة الوجع.
لم تكن المواساة في تلك اللحظة خطاباً يُقال، بل حضوراً يُحسّ. كانت نظرة، ووقفة، وعبارات قصيرة خرجت محمّلة بثقل الصدق، وكأنها تحاول أن تفتح نافذة ضوء في جدار الحزن الكثيف. كان الأطفال ينظرون بعيون تبحث عن الأمان، وكان الصمت في المكان أبلغ من أي حديث، إلا من دفء حضور حاول أن يقول: أنتم لستم وحدكم.
لقد حملت زيارة الفريق الصبيحي معنى أوسع من حدود التعزية، لتعيد تعريف مفهوم المسؤولية في لحظات الألم، فالدولة ليست فقط قرارات وإجراءات، بل أيضاً قلب حاضر حين يشتد الفقد، ويد تقترب من الجرح دون خوف، وصوت يهمس للمكلومين بأن وجعهم ليس بعيداً عن ضمير الوطن.
وفي ظل قسوة الجريمة التي أنهت حياة الشهيد الدكتور عبدالرحمن الشاعر، بدا هذا الحضور كرسالة صامتة لكنها عميقة: أن الاغتيال لا يقتل إنساناً فحسب، بل يترك خلفه أسرة تحتاج من يخفف عنها وطأة الغياب، ومجتمعاً يحتاج من يواسيه في شعوره بأن العدالة والإنسانية لا ينبغي أن تغيب.
وحين غادر الفريق الصبيحي منزل الشهيد، لم يغادر المشهد معانيه، فقد بقيت تلك الزيارة شاهدة على أن بعض المواقف لا تُقاس بمدتها، بل بأثرها، وأن أقرب المسافات بين المسؤول والناس هي تلك التي تُقطع بصدق الشعور لا بكلمات المجاملة.
وهكذا، ظل حضور الفريق محمود الصبيحي في بيت الشهيد الشاعر أكثر من عزاء رسمي.. كان لحظة إنسانية خالصة، تُعيد التذكير بأن القيادة الحقيقية ليست في موقع المسؤول، بل في قدرته على أن يكون قريباً من الألم، صادقاً في المواساة، حاضراً حين يختبر الناس معنى الفقد في أقسى صوره.