آخر تحديث :السبت-02 مايو 2026-02:08م
ملفات وتحقيقات

عدن فوق حافة الانهيار.. مبانٍ من عهد الاستعمار تتحول إلى خطر يومي يهدد آلاف السكان

السبت - 02 مايو 2026 - 01:04 م بتوقيت عدن
عدن فوق حافة الانهيار.. مبانٍ من عهد الاستعمار تتحول إلى خطر يومي يهدد آلاف السكان
(عدن الغد) خاص:

إستطلاع: محمد سالم علي

لم تعد حوادث سقوط المباني القديمة في العاصمة المؤقتة عدن مجرد وقائع متفرقة أو حوادث عرضية، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تكشف عن أزمة بنيوية عميقة تتعلق بواقع البنية السكنية في المدينة. وبينما تقف هذه المباني شاهدة على تاريخ طويل يعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، فإنها في الوقت ذاته تتحول اليوم إلى مصدر خطر حقيقي يهدد حياة آلاف المواطنين الذين ما زالوا يقطنونها رغم تهالكها الواضح.


تعود جذور هذه الأزمة إلى عقود مضت، حين شُيّدت معظم المباني في عدن خلال فترة الاستعمار البريطاني، بين ثلاثينيات وستينيات القرن الماضي، وفق نمط معماري متقدم نسبياً في ذلك الوقت، باستخدام الحجر والخرسانة بطرق كانت تلائم البيئة الساحلية. غير أن هذه المباني، التي صُممت لتخدم لسنوات محدودة مع صيانة دورية مستمرة، لم تحظَ منذ ذلك الحين ببرامج ترميم حقيقية أو تدخلات هندسية جادة تحفظ بنيتها من التآكل.


ومع مرور الزمن، بدأت عوامل الطبيعة تأخذ دورها في إضعاف هذه المباني، خصوصاً في مدينة ساحلية مثل عدن، حيث الرطوبة العالية والملوحة في الهواء تؤثر بشكل مباشر على الحديد والخرسانة، ما يؤدي إلى تآكل الأساسات وظهور التشققات في الجدران والأسقف. ومع غياب الصيانة، تحولت هذه الأضرار الصغيرة إلى تهديدات حقيقية قد تؤدي إلى انهيار كامل في أي لحظة.


ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الظروف الاقتصادية التي يعيشها السكان، حيث يقطن آلاف المواطنين في هذه المباني لعدم قدرتهم على توفير بدائل سكنية. فبالنسبة لكثير من الأسر، لم يعد خيار الانتقال إلى منزل آخر متاحاً، ما يجعلهم مجبرين على البقاء في مساكن يدركون خطورتها، في معادلة قاسية بين خطر السقوط وخطر التشرد.


يقول المواطن أحمد حسين، أحد سكان مديرية كريتر، في حديثه لصحيفة عدن الغد: “نعيش في بيت عمره أكثر من 80 سنة، وكل سنة يزداد الوضع سوءاً. الجدران تتشقق، والسقف بدأ يتآكل، لكننا لا نستطيع الخروج، لا نملك مكاناً آخر”. ويضيف: “نسمع عن انهيار هنا وهناك، ونشعر أن دورنا قد يأتي في أي وقت”.


أما أم محمد، التي تسكن في أحد أحياء التواهي، فتروي تجربتها بقلق واضح: “قبل أشهر سقط جزء من السقف في غرفة الأطفال، والحمد لله لم يكن أحد بداخلها. أصلحناه بشكل بسيط، لكننا نعلم أن المشكلة أكبر من ذلك بكثير”. وتتابع: “نعيش في خوف دائم، خاصة في الليل، لأن أي صوت قد يكون بداية انهيار”.


هذه الشهادات تعكس واقعاً يومياً يعيشه سكان عدن، حيث لم تعد المخاوف نظرية، بل أصبحت مرتبطة بحوادث فعلية تكررت خلال الفترة الأخيرة. ففي مديرية التواهي، شهدت المدينة حادثة مأساوية بانهيار منزل قديم على ساكنيه، ما أدى إلى وفاة رجل وزوجته، في حادثة صادمة أعادت فتح ملف المباني الآيلة للسقوط. وقبل ذلك، سقطت شرفة شقة سكنية في نفس المديرية، في مؤشر واضح على هشاشة البنية الإنشائية.


وفي مديرية المعلا، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث انهار أحد المباني القديمة قبل نحو شهرين، ما تسبب في أضرار مادية وأثار حالة من الذعر بين السكان، خصوصاً في الأحياء المكتظة التي تضم مباني متقاربة، ما يزيد من احتمالية وقوع كوارث أكبر في حال حدوث انهيار متسلسل.


ويرى مهندسون مختصون أن هذه الحوادث ليست مفاجئة، بل نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من الإهمال. ويقول أحد المهندسين، فضل عدم ذكر اسمه، لصحيفة عدن الغد: “الكثير من هذه المباني تجاوز عمرها الافتراضي منذ سنوات، وبعضها لم يعد صالحاً للسكن نهائياً. المشكلة أننا نتعامل مع النتائج فقط، وليس مع الأسباب”.


ويضيف: “في أي مدينة طبيعية، يتم إجراء فحص دوري للمباني القديمة، ويتم إخلاء الخطرة منها فوراً، لكن في عدن لا يوجد حتى الآن مسح شامل يحدد حجم المشكلة بدقة، وهذا يجعلنا أمام خطر مفتوح”.


ولا يمكن تجاهل دور بعض السكان في تفاقم الأزمة، حيث يشير مختصون إلى أن بعض الحالات شهدت إهمالاً واضحاً في صيانة المنازل، سواء بسبب ضعف الوعي أو العجز المالي، ما ساهم في تسريع تدهور المباني. لكن هذا العامل، رغم أهميته، لا يلغي المسؤولية الأساسية التي تقع على عاتق الجهات الحكومية.


ويجمع المواطنون على أن غياب الدور الحكومي هو العامل الأبرز في استمرار هذه الأزمة. فلا توجد حتى الآن خطط واضحة لمعالجة ملف المباني الآيلة للسقوط، ولا برامج دعم حقيقية تساعد السكان على الترميم، ولا حتى إجراءات وقائية تمنع وقوع الكوارث قبل حدوثها.


يقول الشاب ناصر علي، من سكان المعلا: “كل مرة يحدث انهيار، تتحرك الجهات بعد الحادثة فقط، ثم ينتهي كل شيء. لا يوجد حل جذري، ولا حتى متابعة”. ويضيف: “نحن لا نريد تعويضات بعد الكارثة، نريد أن نعيش بأمان قبل أن تقع”.


وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك حكومي شامل، لا يقتصر على المعالجات المؤقتة، بل يمتد إلى وضع خطة استراتيجية لمعالجة هذا الملف من جذوره. وتشمل هذه الخطة إجراء مسح شامل للمباني القديمة، وتحديد مدى خطورتها، ثم اتخاذ قرارات حاسمة بإخلاء المباني المهددة، وتوفير بدائل سكنية مناسبة للأسر المتضررة.


كما يتطلب الأمر إطلاق مشاريع ترميم واسعة، تستهدف الحفاظ على ما يمكن إنقاذه من هذا الإرث العمراني، مع مراعاة الطابع التاريخي للمدينة، إلى جانب تفعيل الرقابة الهندسية، ومنع استخدام أي مبنى غير مطابق لمعايير السلامة.


إن عدن اليوم لا تواجه مجرد مشكلة خدمية، بل أزمة إنسانية قد تتفاقم في أي لحظة إذا لم يتم التعامل معها بجدية. فكل مبنى متهالك هو تهديد مباشر لحياة من يسكنه، وكل يوم تأخير قد يعني سقوط ضحايا جدد.


وبين الماضي الذي تحمله هذه المباني، والحاضر الذي يهدد سكانها، تقف المدينة أمام اختبار صعب: إما أن تتحرك لإنقاذ ما تبقى، أو أن تستمر في تسجيل المزيد من الكوارث التي كان يمكن تجنبها.


وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن المدن لا تُقاس بجمال مبانيها أو قدمها التاريخي، بل بقدرتها على حماية من يعيشون فيها. وعدن، بتاريخها العريق، تستحق أن تُنقذ، وسكانها يستحقون أن يعيشوا بأمان.


غرفة الأخبار / عدن الغد