آخر تحديث :الإثنين-11 مايو 2026-12:26ص
حوارات

من مرارة النزوح إلى ريادة المجتمع.. حوار

الأحد - 10 مايو 2026 - 11:27 م بتوقيت عدن
من مرارة النزوح إلى ريادة المجتمع.. حوار
المصدر: عدن الغد - خاص

حاورت: غزة عبدالله:

في ظل الحرب التي تشهدها اليمن منذ العام 2015، ونزوح مئات الآلاف من اليمنيين إلى مناطق ومحافظات أخرى، برزت العديد من النساء النازحات في خدمة المجتمعات التي نزحن إليها، متحديات معاناة ووجع النزوح.

رقية الذبحاني شابة في الثلاثين من عمرها، نزحت بسبب الحرب من مدينة تعز إلى مدينة التربة بمديرية الشمايتين. تقول رقية: "نحن النساء في اليمن نعاني من الفقر وغياب الفرص، لكنني قررت ألا أكون كبقية الظروف، بل أن أكون جزءًا من الحل".

فقدت رقية والدها في سن مبكرة، وعاشت مع والدتها في كنف أسرة دعمتها وساندتها لتحقيق أحلامها. ورغم قسوة الظروف المعيشية، أصرت بعد إنهاء الثانوية أن تكون مصدر فخر لأسرتها، فواصلت تعليمها الجامعي في تخصص علم النفس، وسعت لتطوير ذاتها بكل ما تملك من إرادة.

لم تكتفِ رقية بالدراسة، بل أطلقت مبادرة مجتمعية تطوعية جمعت من خلالها فريقًا من الشباب والشابات. لم يكن الطريق سهلًا، فقد كانت من أوائل الفتيات اللاتي تحدين العادات والتقاليد في منطقتها، لكنها استطاعت تنفيذ العديد من الأنشطة والفعاليات التي لاقت قبولًا واسعًا، وأصبحت مبادرتها الأولى من نوعها التي تقودها فتاة في المنطقة.

ورغم النجاح، لم تسلم رقية من الانتقادات والنظرة المجتمعية السلبية، حيث واجهت كلمات جارحة ورفضًا لعملها، مما أثر على سمعتها، لكنها لم تستسلم، بل واجهت تلك التحديات بإصرار، قائلة: "كلامهم كان مؤلمًا، لكنني قررت أن أكون سببًا في تغيير هذه الأفكار، وأن أزرع مبدأ المساواة في مجتمعي".

وقالت رقية الذبحاني لـ"عدن الغد": "لم تكن الصعوبات أكبر من قدرتي على الاستمرار، فقد وجدت دعمًا من أشخاص مؤمنين برسالتي، ومع الوقت تطورت مبادرتي، ولم يكن هدفي ماديًا، بل كان تطوير ذاتي وخدمة مجتمعي".

وخلال دراستها الجامعية، حصلت رقية على أول فرصة عمل لها، واستطاعت التوفيق بين الدراسة والعمل رغم التحديات، لتحقق حلمها في مساعدة أسرتها. وبعد تخرجها، حصلت على وظيفة في إحدى المنظمات في مجال تخصصها، مما ساهم في تحسين وضعها المعيشي ودعم عائلتها. اليوم أصبح اسم رقية معروفًا في مجتمعها، وترى أن التغيير بدأ بالفعل، وأن هناك نساء قادرات على صنع مستقبل أجمل.

تحدي معاناة النزوح

بسبب الحرب، نزحت الشابة الثلاثينية أمة الله عبدالله من مدينة الحديدة إلى ريف تعز مع عائلتها. تقول أمة الله: "لم يكن ذلك الألم خفيفًا عند نزوحنا من منزلنا ومواجهة تحديات النزوح، حيث لم يكن لدينا عمل وكانت ظروفنا صعبة".

اضطرت أمة الله للبحث عن عمل، وفي البداية لم تجد أي عمل غير العمل في مستوصف صحي لمدة تقارب ثلاث سنوات، وبعد ذلك حصلت على عمل مع منظمة، وكان هذا أول عمل لها تحصل فيه على راتب شهري. ومن خلال عملها اكتسبت معلومات وخبرات، ثم قامت بإنشاء مبادرة تطوعية مجتمعية، ونفذت العديد من الأنشطة التطوعية لخدمة المجتمع والفتيات على وجه الخصوص، ومن ضمن الأنشطة تدريب وتأهيل الفتيات والنساء.

تقول أمة الله لـ"عدن الغد": "طورت مبادرتي وكنت داعمًا لمجتمعي ولأسرتي، حققت نجاحًا في قرية لا أنتمي لها، لكني اخترت أن أنتمي لها بالعطاء والعلم. الآن أصبحت مبادرتي تحمل اسم مؤسسة فور هير، وكان زوجي داعمًا لي وأهلي، وواجهت الكثير من الصعوبات، وأعتقد أن واقعنا المؤلم كان سببًا في نجاحنا وتحقيق أحلامنا".

طاقة عالية:

تقول الناشطة حنين الزكري إنها عملت على إطلاق مبادرة شبابية ريفية مع بداية الحرب وحاجة المجتمع الريفي للخدمات الأساسية، وتوقف التعليم الجامعي لبعض الكليات في المدن، وتعطل معظم الأعمال بسبب الحرب، ما أدى إلى كثرة الشباب في الريف الذين يحملون طاقة عالية وفرصًا أقل.

وتضيف لـ"عدن الغد": "المبادرات التطوعية كسرت الجمود وحواجز الإقصاء والتهميش، وساهمت في رفع الوعي المجتمعي حول أهمية العمل التطوعي والتعاون، وساعدت في نفع الأطفال والنساء والأسر بشكل عام من خلال الخدمات التي يتم تقديمها".

وتشير إلى أن الفتيات والشباب بشكل عام استثمروا طاقاتهم في الأعمال الخيرية والمجتمعية والتنموية في مناطقهم، عندما غابت مؤسسات الدولة والجمعيات عن لعب أدوارها، ومتى ما رأوا خللًا في مناطقهم يتم تشكيل المبادرات لإفادة أكبر شريحة من المجتمع.

وتضيف أن هناك مبادرات لفرحة الأطفال في الأعياد ودعمهم بالملابس الجديدة أو العيديات، وهناك مبادرات لتوفير العلاجات الشائعة للأسر الفقيرة، وأخرى للتدريب في الإجازات الصيفية كدروس التقوية، وفي الوقت الحالي نلاحظ تطور المبادرات باتجاه الوعي الرقمي ومكافحة الابتزاز وغيره، ومتى ما طرأ خلل معين يتم تنفيذ مبادرات للتخفيف منه، وفقًا للناشطة الزكري.

قبول مجتمعي

تؤكد الزكري أن هناك قبولًا مجتمعيًا للمبادرات في الآونة الأخيرة، كون المجتمع لمس تطويرًا حقيقيًا ونتائج ملموسة لهذه المبادرات، سواء من خلال تحسين الظروف المعيشية أو إيجاد حلول للمشكلات عبر الوساطات أو المفاوضات، إضافة إلى أن قصص النجاح التي يتم نشرها تساعد في توسيع دائرة الإنجازات والمبادرات وكسر تقاليد محدودية فرص الفتيات.

ويقول الناشط صديق الهويش لـ"عدن الغد": "منذ بداية الحرب والأحداث التي شهدها اليمن في عام 2015، بدأت المنطقة، ولا سيما مديرية الشمايتين والمناطق المحيطة بها في محافظة تعز، تأخذ شكلًا جديدًا وتعيش واقعًا مختلفًا عما كانت عليه سابقًا، حيث أصبحت إحدى المناطق التي استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين من داخل المحافظة ومن محافظات أخرى. وقد شكّل هذا التدفق السكاني في البداية تحديًا حقيقيًا تمثل في الضغط على الموارد المحدودة وفرص العمل والخدمات الأساسية".

وأضاف: "إلا أن هذه التحديات تحولت تدريجيًا إلى فرصة للنهوض المجتمعي، حيث برزت الفتيات النازحات كعنصر فاعل في المجتمع، فبدأن بالبحث عن حلول مبتكرة لتحسين أوضاعهن المعيشية ودعم أسرهن، ولم يكتفين بدور المتلقي للمساعدات، بل انتقلن إلى دور الشريك في التنمية".

وأشار الهويش إلى أن انتشار برامج التمكين الاقتصادي والتدريب المهني التي نفذتها العديد من المنظمات المحلية والدولية، والتي ركزت على دعم المرأة وتعزيز مهاراتها في مجالات العمل والإنتاج، ساعد بشكل كبير في بروز هذه النماذج.

نماذج ملهمة

ومع مرور الوقت، أصبحت العديد من الفتيات النازحات نماذج ملهمة في ريادة الأعمال والعمل المجتمعي، حيث أسسن مشاريع صغيرة في مجالات متعددة مثل الخياطة وصناعة المأكولات المنزلية والتدريب والتعليم المجتمعي والخدمات الصحية البسيطة وحتى محال التقنية، إضافة إلى التكتلات والمبادرات والمؤسسات التي تديرها أو تقودها فتيات أو نساء. وأسهمت هذه المبادرات في توفير فرص عمل وتحسين مستوى دخل الأسر، إضافة إلى تعزيز روح التعاون والتكافل داخل المجتمع المحلي، بحسب حديث الهويش.

واستفادت المجتمعات المضيفة في مديرية الشمايتين من هذه المبادرات بشكل مباشر، إذ أسهمت في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية، وتوفير خدمات ومنتجات كانت محدودة سابقًا، فضلًا عن تعزيز دور المرأة في العمل المجتمعي والمشاركة في الفعاليات والندوات والأنشطة التطوعية، مما ساعد على بناء مجتمع أكثر قدرة على التكيف مع الظروف الصعبة، وفقًا للهويش.

ويختتم الهويش حديثه بالقول إن تجربة الفتيات النازحات في هذه المنطقة تحولت من معاناة النزوح إلى قصص نجاح حقيقية في ريادة المجتمع، حيث أصبحن جزءًا أساسيًا من عملية التنمية المحلية، وأسهمن في تحويل التحديات إلى فرص، وتركْن أثرًا إيجابيًا ملموسًا في حياة أسرهن ومجتمعاتهن.

قيادات نسوية

ويرى الناشط والمدرب خالد الشميري أن الفتيات يساهمن بشكل كبير جدًا في خدمة المجتمع، باعتبار أن لديهن إخلاصًا في العمل والعزيمة والرغبة، وهذا يسهم في بناء قيادات نسوية فاعلة في المجتمع، كما أن مشاركتهن في المبادرات يساعدهن على بناء شخصيات قيادية.

ويضيف أن هذه المبادرات تلعب دورًا كبيرًا في توفير خدمات مثل التعليم والصحة وتوفير بعض الخدمات الأساسية كالمياه، كما تعمل على تعزيز التماسك المجتمعي، لأنها تسهم بشكل كبير في الحد من النزاعات داخل المجتمع.

وأشار الشميري إلى أن هذه المبادرات تساهم بشكل فعال في تعزيز قضايا النوع الاجتماعي وإزالة بعض مظاهر العنف القائم على النوع الاجتماعي، مؤكدًا أن مثل هذه المبادرات مهمة جدًا، خاصة لهذه الفئة المتضررة والضعيفة التي تحتاج إلى احتياجات أساسية.