آخر تحديث :الأحد-17 مايو 2026-02:36م
صفحات من تاريخ عدن

أبعاد حملة ألبوكيرك لغزو عدن 1513م

الأحد - 17 مايو 2026 - 02:02 م بتوقيت عدن
أبعاد حملة ألبوكيرك لغزو عدن 1513م
المصدر: (عدن الغد) خاص:

إعداد: م. فضل علي مندوق


أولاً: حصار عدن والعمليات العسكرية الهجومية

في السادس والعشرين من مارس لعام 1513م، أصدر حاكم الهند البرتغالية، السير أفونسو دي ألبوكيرك (Afonso de Albuquerque)، أوامره بالتحرك الميداني صوب أسوار مدينة عدن، دافعاً بقوة هجومية قوامها ثلاث مجموعات قتالية للاقتحام، تضم كل مجموعة منها 600 مقاتل مجهزون بأربعة سلالم تسلق، جرى توزيعهم للاندفاع نحو موقعين استراتيجيين: سور الواجهة البحرية، والمقتربات المتاخمة للبوابة الرئيسية لمدينة عدن [1].

تشير التقارير الرسمية التي خلفها ألبوكيرك إلى أن العوائق الهيدروغرافية وطبوغرافيا الميناء فرضت على القوة البرتغالية الإنزال في نقاط جغرافية متباعدة نسبيًا عن الأسوار، الأمر الذي أسفر عن تبلل البارود وتضرر الأسلحة النارية [1]. وبناءً على التحليل الجغرافي العسكري، فإن القوة المهاجمة استهدفت "السور البحري" الممتد من الخط الساحلي على طول محور جبل المنظر وجبل حقات، وهو الخط الدفاعي المحصن الذي وثقته المصورات التاريخية اللاحقة، لا سيما الرسم الشهير الوارد في مصنف غاسبار كوريا (Gaspar Correia) الموسوم بـ «أساطير الهند» (Lendas da Índia)، والذي شُيّد أساساً لصد أي اختراقات بحرية قادمة من الممر الشمالي لخليج حقات [2].

في المقابل، تفيد المصادر المحلية المعاصرة للحدث بمسارات عسكرية موازية؛ إذ يذكر مؤلف كتاب «تاريخ شنبل» أن القوة البرتغالية تمكنت من ولوج الثغور عبر "باب مكسور" (وهي البوابة التي كانت تُعرف تاريخياً بـ "باب السيلة") [9]. وكانت هذه البوابة تشغل في القرن الخامس عشر موقعاً متوسطاً في السور البحري لجبل المنظر وجبل حقات، والذي كان يضم منظومة من البوابات المبنية من الحجر والملاط، وهي: (باب الصناعة، باب الحومة، باب السيلة، باب الفرضة، باب الساحل، وباب السر) [9]. وفي سياق متصل، يوثق المؤرخ بافقيه في «تاريخ الشحري» الاستهداف العسكري البرتغالي عند "جزيرة صيرة" [10].

لقد شابت العمليات الهجومية حالة واسعة من الفوضى التكتيكية؛ نتيجة تعذر إنفاذ الأوامر القيادية والشرخ الدبلوماسي والعسكري بين ألبوكيرك وقادة أسطوله الذين شككوا في جدوى قراراته [7]. أما من الناحية اللوجستية، فإن سلالم التسلق المصنوعة في "كوتشين" (Cochin)، والتي صُممت لاستيعاب ستة جنود في الصف الواحد، تبين أنها كانت قصيرة دون الارتفاع المطلوب، وسرعان ما انكسرت تحت وطأة التكدس البشري، مما أدى إلى وقوع خسائر فادحة في الأرواح بلغت 40 قتيلاً في صفوف البرتغاليين [3]، بينما بالغت المصادر العربية بتقديرها بنحو 200 قتيل [10]، وحصرتها التقارير الإيطالية المعاصرة في 160 قتيلاً [5].

وعلى الرغم من نجاح 50 جندياً برتغالياً في ارتقاء ذروة الأسوار، إلا أنهم وقعوا في كمين تكتيكي داخل أزقة المدينة التي أغلقتها الحامية العدنية بالمتاريس الخشبية المدعومة بقطع المدفعية [3][8]. ورغم سيطرتهم المؤقتة على برج صغير (Cubelo)، إلا أن المدافعين أضرموا فيه النيران، مما أجبر المهاجمين على الانسحاب الفوضوي [3]. وحاول ألبوكيرك تدارك الموقف بشن هجوم تمويهي خاطف على جزيرة صيرة، أسفر عن تدمير تحصيناتها ومصادرة 36 قطعة مدفعية، بيد أن هذا المنجز الميداني المحدود لم يغير من المحصلة الاستراتيجية الإجمالية، واضطر البرتغاليون إلى الجلاء [3].

ثانياً: التداعيات السياسية والمعادلة الجيومناخية للبحر الأحمر

شكل الإخفاق العسكري في عدن نكسة سياسية بالغة الأثر لألبوكيرك، مفسحاً المجال لخصومه السياسيين في بلاط لشبونة وحكومة غوا لانتقاد استراتيجيته الإمبراطورية [6][7]. وكان الحاكم على دراية تامة بالحدود الزمنية الحرجة للعمليات؛ إذ لم يكن بمقدور الإمدادات اللوجستية وتوفر مياه الشرب والمؤن الصمود لأكثر من خمسة عشر يوماً، لا سيما مع التحول الوشيك في نظام الرياح [1][4].

فقد اندلعت الحملة بين شهري مارس وأبريل، وهي الحقبة المؤذنة بانقراض الممر المناخي المواتي للإبحار شمالاً وتجاوز مضيق باب المندب. وتحت وطأة الرياح الموسمية الشمالية الشرقية للمحيط الهندي، تنشط رياح جنوبية-جنوبية شرقية في الفترة من أكتوبر إلى أبريل جنوب خط عرض 18 درجة شمالاً، لتتجاوز الدرجة السادسة على مقياس بوفورت (Beaufort 6) عند المضيق. ومع حلول الفترة من مايو إلى سبتمبر، تنقلب الآية لتسود رياح شمالية غربية وشمالية عاتية تتسبب في هيجان البحر، مما يحظر على السفن البرتغالية الضخمة الإبحار صعوداً نحو شمال البحر الأحمر، باستثناء المراكب المحلية الخفيفة المعروفة بـ "الجلبة" (والجمع: جِلاب) [4]. وكما استقر في أدبيات الملاحة القديمة، فإن التهديد الأبرز لحركة الأساطيل في البحر الأحمر يكمن في تلك الرياح المفاجئة والعنيفة التي تعصف بالممرات المائية الضيقة المليئة بالأرصفة المرجانية والجزر [4].

وأمام هذه الحتمية الجيومناخية وانحسار الرياح الشرقية، شرع ألبوكيرك في سباق مع الزمن؛ فبعد أن رفع تقريراً استراتيجياً إلى الملك مانويل الأول يؤكد فيه على المزايا الجيوسياسية لخور "رأس حجيف/المعلا" لتشييد حصن مستقبلي، نجح بحنكة دبلوماسية في تحويل الإخفاق العسكري إلى حملة استكشافية ومسحية، مقتحماً مغلقات البحر الأحمر في الثالث من أبريل لعام 1513م، مدفوعاً برغبة عقلانية لرسم الخرائط، وقياس أعماق البحار، وتوثيق المسافات والروابط الجغرافية بين الحواضر والموانئ [1][4].

ثالثاً: التغلغل في البحر الأحمر والملاحة والاستكشاف الهيدروغرافي

اخترق الأسطول البرتغالي المكون من 19 سفينة مضيق باب المندب، محاكياً طقوس الاستكشاف الإمبراطورية عبر إطلاق المدافع ونشر الأعلام البابوية والملكية [3][4]. ورغم رصد الأسطول لسفن تجارية مسلمة محملة بالتوابل كانت في طريقها إلى جدة، إلا أنه آثر عدم تصيدها خشية تشتيت القوة، وعوضاً عن ذلك استولى على سفينة آتية من "الديبل (Debal)" قاصدة "سواكن" وهي محملة بالأقمشة، حيث وظفها ألبوكيرك كشرك وخديعة سياسية لأسر المرشدين الملاحيين المحليين المعروفين في الوثائق البرتغالية بـ (الربابنة / Rubões)، نظراً لاستحالة الملاحة الآمنة بين ثنايا الشعاب المرجانية والتيارات البحرية المتقلبة دون خبراتهم [1][4].

كانت هذه الطائفة الملاحية تشغل مستوطنة جزيرة "ميون" البركانية (جزيرة بريم)، وقدرت الوثائق البرتغالية أجورهم المرتفعة بين 25 إلى 30 عملة كروزادو (Cruzados). وبناءً على مسوحات هؤلاء الربابنة، تمكن ألبوكيرك من تدوين القياسات الباثيمترية الأولى للمضيق؛ فوثق عمق الممر المائي الشرقي (الطرف العربي) بين 7 إلى 12 قامة، بينما راوح عمق الممر الغربي (الطرف الحبشي) بين 25 إلى 30 قامة. ورغم العمق الاستراتيجي للممر الحبشي، إلا أن التجارة الدولية المتجهة إلى جدة كانت تُفضل الإبحار بمحاذاة الساحل العربي لتوفر الموانئ والمراسي الآمنة [1][4].

وعلى هَدْي المعارف الجغرافية للربابنة، قسّم ألبوكيرك الملاحة في البحر الأحمر إلى ثلاث مناطق توجيهية تُقاس بوحدة "الجامّا" (ğamma)، وهي وحدة قياس سرعة الإبحار عند الملاحين العرب، وتعادل في المعجم البرتغالي مسيرة يوم بحري كامل (Singradura)؛ حيث قُدرت المسافة على الساحل العربي حتى السويس، وعلى الساحل الإفريقي حتى القصير، بـ 4 جامّات، وكذلك المسافة في عمق البحر المفتوح الخالي من المرجان [4].

وشق الأسطول طريقه شمالاً متخذاً مساراً وسطياً، ليتجه نحو جزيرة "زقر" (Zuqar) الواقعة شمال أرخبيل حنيش الكبرى، والتي كانت تشكل محطة لوجستية ومرسى حيوياً لإعادة التموين بين جدة وعدن [1][4].

كما سطر الرحالة ابن بطوطة في مصنفه «تحفة النظار»، فإن وعورة القاع المرجاني والتقلبات المستمرة في التيارات جعلت الإبحار الليلي مخاطرة شبه انتحارية [11]. لذا اضطر ألبوكيرك للرسو تحت حماية سد طبيعي على شريط تهامة الساحلي، يرجح أنه يقع إلى الجنوب من الحديدة وشمال شرق جزيرة زقر [4].

وفي هذا المرسى، اعترض البرتغاليون سفناً تجارية قادمة من "بربرة" و"زيلع" محملة بالمواد الغذائية المتجهة لأسواق مكة وجدة؛ فعمد ألبوكيرك إلى فرز الأسرى، وأمر بالتنكيل بالرعايا التابعين لحاكم عدن الأمير مرجان بن عبد الله الظاهري بقطع أيديهم وآذانهم وأنوفهم ثم إحراق سفنهم، في حين استبقى على حياة الربابنة والركاب المنحدرين من "جزيرة كمران" للاستفادة من معلوماتهم حول موارد المياه العذبة هناك [1][4]. وتابع الأسطول زحفه شمالاً عبر مياه غير مألوفة، لتجبره الرياح الجنوبية الشرقية على اللجوء إلى خور اللحية، وسط مقتربات ساحلية ضحلة بالغة الخطورة، حيث أخذت قامات الأعماق تتناقص بحدة كلما أُلقي شاقول القياس، لينتهي المطاف بالأسطول بين ثنايا الكثبان الرملية المتحركة والضحاضح المرجانية [4].

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: المصادر والوثائق الغربية:

1. Afonso de Albuquerque. Cartas de Afonso de Albuquerque, seguidas de documentos que as elucidam. Lisboa: Academia Real das Sciencias de Lisboa, 1884, Tomo I.

2. Gaspar Correia. Lendas da Índia. Coimbra: Imprensa da Universidade, 1922, Tomo II.

3. Brás de Albuquerque. Comentários do Grande Afonso de Albuquerque. Lisboa: Imprensa Nacional-Casa da Moeda, 1973 (Reprint of 1557 edition), Parte IV, Cap. I-VIII.

4. Dejanirah Couto. “All the wealth of the world will be in your hands”: A vision of the Red Sea in the early 16th century through the Letters of Afonso de Albuquerque (1513). OpenEdition Books, 2021.

5. Marino Sanuto. I Diarii de Marino Sanuto (1496-1533). Venezia: Deputazione di Storia Patria per le Venezie, 1879-1903.

6. Malyn Newitt. A History of Portuguese Overseas Expansion, 1400–1668. London: Routledge, 2005.

7. Sanjay Subrahmanyam. The Portuguese Empire in Asia, 1500-1700: A Political and Economic History. London: Longman, 1993.

8. John L. Meloy. Mamluk Alexandria: Maritime Trade and Social Organization in the Islamic Mediterranean. Turnhout: Brepols, 2010.

ثانياً: المصادر العربية والمحلية المعاصرة والقديمة

9. أحمد بن عبد الله شنبل. تاريخ حضرموت: المعروف بتاريخ شنبل. تحقيق: عبد الله محمد الحبشي. الطبعة الثانية، صنعاء: مكتبة صنعاء الأثرية، 1424هـ / 2003م.

10. محمد بن عمر الطيب بافقيه الشحري. تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر. تحقيق: عبد الله محمد الحبشي. الطبعة الأولى، عدن: مكتبة الإرشاد، 1419هـ / 1999م.

11. محمد بن عبد الله ابن بطوطة. تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2017م.