آخر تحديث :الأربعاء-27 مايو 2026-05:31م
أخبار المحافظات

عمي الخضر.. الرجل الذي حمى الأسرة حين تهاوت الأيام

الأربعاء - 27 مايو 2026 - 04:40 م بتوقيت عدن
عمي الخضر.. الرجل الذي حمى الأسرة حين تهاوت الأيام
المصدر: ((عدن الغد))خاص

هناك رجال لا تصنعهم المناصب ولا الرتب، بل تصنعهم المواقف العظيمة في اللحظات الأصعب، رجالٌ يتحولون في ذاكرة أسرهم إلى أوطان صغيرة، وإلى أعمدة تستند عليها العائلات حين تتكسر من حولها الحياة، وكان عمي الخضر محمد علي عبادي واحداً من أولئك الرجال النادرين.


ولدت وترعرعت في مدينة البريقة بالعاصمة عدن، في مرحلة كانت أسرتنا تعيش فيها حياة مستقرة وكريمة. كان والدي ـ رحمه الله ـ قائداً أمنياً بارزاً برتبة نقيب، تولّى قيادة شرطة كريتر بين عامي 1979 و1983م، ثم قيادة شرطة الشيخ عثمان حتى اندلاع أحداث يناير الدامية عام 1986م، كنا نعيش في منزل جميل تحيط به حديقة غنّاء، وكانت الحياة تمضي هادئة قبل أن تعصف بها الحرب التي مزّقت الناس والأسر والمصائر.


مع اندلاع أحداث يناير المشؤومة، اضطررنا منذ اليوم الأول إلى مغادرة منزلنا الواقع بجوار شرطة البريقة واللجوء إلى منزل عمي عبدالله، وفي اليوم التالي تعرض منزلنا للقصف بالدبابات، لتبدأ مرحلة قاسية من التشتت والخوف والمعاناة، انتهت الحرب وقد سقط ضحايا كثيرون، وفرّ آخرون إلى الشمال، بينما دخل والدي السجن السياسي، فتفككت الأسر وضاقت الحياة بعد أن كانت مستقرة وآمنة.


في تلك الظروف العصيبة، انتقلت أسرنا إلى القرية، حيث ازدحمت البيوت بالعائلات التي أنهكتها الحرب، وهناك ظهر الدور الحقيقي لعمي الخضر محمد، الضابط في القوات البحرية برتبة نقيب، الذي استطاع الهروب من التواهي عبر قارب بحري إلى شقرة بمعية أخوه قاسم محمد، ثم واصل رحلته سيراً على الأقدام حتى وصل إلى القرية، وسط مخاوف دائمة من الملاحقة أو الوشاية به.


ورغم أن كثيراً من العسكريين من الطرف المهزوم غادروا إلى الشمال، فإن عمي الخضر اتخذ موقفاً مختلفاً، وقال كلمته التي لخّصت معدنه الحقيقي:

“ومن سيبقى لرعاية هذه الأسر؟”


رفض الرحيل، واختار البقاء وسط الخطر، ليحمل على عاتقه مسؤولية عائلة كبيرة أنهكتها الحرب وقطعت عنها الرواتب ومصادر العيش، جمع الأسر، ورتّب شؤون حياتها، ووجّه الجميع نحو الزراعة والعمل والاعتماد على النفس بعد انقطاع الرواتب، فكان قائداً حقيقياً في زمن الانهيار.


عشنا معه خمس سنوات كانت أشبه بمدرسة للحياة والانضباط والصبر، كان شديداً حين يتطلب الموقف الحزم، ورحيماً حين يحتاج الناس إلى الاحتواء، عادلاً في قراراته، حكيماً في توجيهاته، وصاحب هيبة تفرض الاحترام في نفوس الجميع، كنا نراه قائداً وملهماً، ونتعلم منه يومياً معاني المسؤولية والرجولة والاعتماد على الذات.


لقد صقلت تلك المرحلة شخصياتنا، وعلّمتنا كيف نحول المعاناة إلى قوة، واليأس إلى إرادة، ومن عمي الخضر تعلمت كيف يكون الإنسان حازماً دون قسوة، وليناً دون ضعف، وكيف يمكن لرجل واحد أن يحفظ أسر كاملة من الضياع.


وحتى اليوم، كلما ذهبت إلى القرية وسلمت عليه، أحاول أن أبدو أمامه مازحاً وضاحكاً، لكن بداخلي ما تزال تلك الهيبة القديمة تسكنني، هيبة الرجل الذي تربينا على احترامه والخوف من خذلان ثقته.


وعندما خرج والدي من السجن السياسي، تحدثت معه يوماً عن عمي الخضر، فقال لي كلمات ما زالت ترنّ في ذاكرتي حتى اللحظة:

“هذا عمك الخضر هو شيخنا ووكيلنا، هو الذي ثبّت الأسر وجمع شتاتها ونحن في السجن، والله مهما قدمنا له فلن نوفيه حقه… هذا عمك جبل، رغم أنه أصغر مني سناً، لكنه أعقلنا، عشت معه طفولتي، وكنا نرعى الأغنام معاً، وهو أقرب إلى قلبي من إخوتي”.


حقاً… لم يكن عمي الخضر مجرد رجل من العائلة، بل كان مدرسة في القيادة، ورمزاً للصبر، وجبلاً راسخاً وقف شامخاً حين تهاوت أشياء كثيرة من حولنا.


*د. غسان ناصر عبادي*