آخر تحديث :الخميس-28 مايو 2026-05:45م
وفيات

الرئيس الذي غادر الكرسي وبقي مع الوطن ،،

الخميس - 28 مايو 2026 - 04:58 م بتوقيت عدن
الرئيس الذي غادر الكرسي وبقي مع الوطن ،،
المصدر: كتب / د. سعيد الحرباجي

برحيل فخامة الرئيس المشير عبدربه منصور هادي، لا يفقد اليمن رجلًا عابرًا في سجلات السياسة، بل يودّع واحدًا من أبناء جيلٍ حمل البندقية في وجه الاستعمار، ثم حمل همَّ الدولة في وجه التمزق والانهيار، وظل حتى آخر أيامه مؤمنًا بأن اليمن أكبر من المشاريع الصغيرة، وأكبر من الحروب والأهواء والمليشيات.


لقد كان الفقيد واحدًا من رجال مرحلة التحرر الوطني ضد الاستعمار البريطاني، أولئك الذين آمنوا مبكرًا بأن الكرامة الوطنية لا تُنتزع إلا بالتضحية، وأن الوطن لا يُبنى إلا على أكتاف الرجال الصادقين.


ومن رحم تلك التجربة النضالية، خرج جيلٌ حلم ببناء جمهورية اليمن الديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون والسيادة الوطنية، وكان عبدربه منصور هادي أحد الذين أسهموا في تثبيت أركانها، والعمل داخل مؤسساتها العسكرية والسياسية في سنواتها الأولى.


وحين عصفت رياح الانقسام بالوطن في صيف 1994م، وقف الرجل كما عرفه كثيرون منحازًا لوحدة اليمن، مؤمنًا بأن الدم اليمني أكبر من مشاريع التشطير، وأن الجغرافيا التي توحدت بالتضحيات لا ينبغي أن تعود إلى مربعات الصراع والانقسام.


وفي السنوات الأخيرة، وبينما كانت البلاد تغرق في أتون الحرب، ظل الرئيس الراحل متمسكًا بفكرة الدولة اليمنية، رافضًا انقلاب المليشيات الحوثية على الجمهورية، ومؤمنًا بأن السلاح لا يمكن أن يصنع وطنًا، وأن الدولة وحدها هي الكفيلة بحماية الجميع تحت مظلة النظام والقانون.


كما ظل متمسكًا بمشروع الأقاليم المنبثق عن مؤتمر الحوار الوطني، باعتباره في نظره الصيغة القادرة على بناء شراكة وطنية عادلة، تُنهي التهميش، وتحفظ لليمن وحدته وتنوعه في آنٍ واحد.


ولم يكن الرجل ممن يساومون على السيادة الوطنية، فقد ظل رافضًا لكل أشكال التفريط بالأرض والجزر والسواحل اليمنية، وتمسك بموقفه الرافض للمساس بجزيرة سقطرى أو تحويلها إلى ورقة نفوذ أو صفقة سياسية، إيمانًا منه بأن الوطن ليس سلعةً تُباع، ولا جغرافيا تُقسَّم بين القوى والمصالح.


لقد رحل عبدربه منصور هادي بهدوءٍ موجع، بعد عمرٍ طويلٍ قضاه بين ميادين النضال،ومؤسسات الدولة، وعواصف السياسة والحرب، تاركًا خلفه سيرة رجلٍ اختلف معه كثيرون، لكنهم لا يستطيعون إنكار أنه ظل حتى آخر لحظة يحمل همَّ اليمن الواحد، ويحلم بدولةٍ تتسع لجميع أبنائها.


رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي رحمةً واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه والشعب اليمني الصبر والسلوان.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.