أكد القاضي شائف علي محمد الشيباني، رئيس دائرة التدريب والتأهيل بمكتب النائب العام، خلال محاضرته في الجلسة الثامنة من البرنامج التدريبي المخصص لمفاهيم العدالة الانتقالية، أن استرداد الأراضي والسكن والممتلكات يمثل حجر الزاوية في تسوية النزاعات وبناء السلام الشامل والمستدام، مشددًا على القواعد القانونية التي تقر بأنه لا يسقط حق الملكية بالنزوح أو بمرور الزمن خلال فترات الصراع.
وقد شهدت الجلسة نقاشات حادة ومستفيضة بين القاضي شائف والمشاركين حول واقع تطبيقات العدالة الانتقالية، حيث طالبت المداخلات بضرورة تجاوز الأطر الشكلية والاجتماعات البروتوكولية، والنزول الميداني المباشر لمعالجة الانتهاكات الفعلية وكشف الحقائق ومحاسبة المتسببين، دون الاكتفاء بالعموميات، وهو ما رد عليه القاضي شائف بتوضيح أن الجلسات تركز على بناء المفاهيم والأطر العامة التي تمكّن المجتمع من تقييم الأجهزة القضائية والهيئات المعنية ومساءلة أي خلل في أداء الواجب القانوني.
وللتدليل على الأهمية الميدانية للتشريعات العقارية، استعرضت الورشة البيانات الإحصائية الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، التي تشير إلى ارتفاع أعداد النازحين داخليًا في اليمن إلى ما بين 4.8 و5.2 مليون نازح، يتواجد أكثر من 80% منهم في مخيمات أو ترتيبات استئجارية مؤقتة وغير آمنة، لا سيما مع تركز الكتلة الأكبر منهم في محافظات مأرب وتعز والحديدة، وما أفرزه ذلك من نزاعات عقارية متزايدة واعتداءات على ملكيات الغائبين.
وفي إطار المرجعيات الدولية المعنية بحلول النزوح المستدامة (العودة الطوعية والآمنة، والاندماج المحلي، وإعادة الاستيطان الداخلي)، أوضح القاضي شائف أن الأصل في جبر الضرر المتعلق بالعقارات والممتلكات هو الرد العيني والتمكين وإعادة الضحايا إلى مواطنهم الأصلية بصورة آمنة وطوعية، نظرًا للروابط الاجتماعية والتاريخية بالأرض، في حين يعد التعويض المالي وسيلة بديلة أو تكميلية في حال تعذر الرد العيني.
واستعرض القاضي شائف المرجعيات الدولية والقوانين الوطنية المرتبطة بحماية حقوق الملكية والسكن، وعلى رأسها مبادئ بينهيرو ومبادئ الحماية من التشريد القسري، إضافة إلى نصوص القانون المدني والدستور (ومنها المادة 41)، حيث أشار القاضي شائف إلى أن ظروف الفوضى والنزاعات المسلحة تعد من أسباب القوة القاهرة التي توقف التظلم وسريان مدد تقادم الدعاوى القضائية المتعلقة بالحقوق والعقارات (مثل مدد الـ30 سنة)، حتى زوال تلك الظروف واستقرار الأوضاع.
واختتمت الورشة بتقسيم نماذج المعالجات إلى فردية وجماعية وفئوية، مع التأكيد على أن جبر الضرر الشامل يجب أن يتضمن كشف الحقيقة، والاعتراف بالانتهاك، وتقديم التعويضات عن الخسائر المباشرة وما فات من كسب، ووضع ضمانات حقيقية لعدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلًا.
فيما سلط الحقوقي والمحامي غازي السامعي الضوء على واقع حقوق الإنسان في اليمن، مفككًا الفوارق الدقيقة بين مفاهيم “المفقود”، و”المحتجز تعسفيًا”، و”المخفي قسرًا”، ومشيرًا إلى الانتهاكات السافرة للضوابط القانونية التي تمارسها أطراف النزاع على الأرض.
جاء ذلك خلال الجلسة التدريبية التاسعة ضمن الدورة التي نظمها مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في العاصمة المؤقتة عدن، والتي شهدت نقاشات تفاعلية ومداخلات قانونية وقضائية واسعة تناولت البيئة التشريعية الوطنية والمواثيق الدولية.
افتتح السامعي الجلسة بطرح تساؤلات تفاعلية حول مفهوم “الشخص المفقود”، مؤكدًا أنه يشمل كل شخص انقطعت أخباره ولا يُعرف مكان وجوده على وجه اليقين نتيجة ظروف متعددة، سواء كانت نزاعات مسلحة، أو ظروفًا طبيعية كالفيضانات والزلازل، أو حوادث أخرى.
وأوضح غازي أن الخطر الأكبر المحيط بالشخص المفقود يكمن في غياب التأكيد حول مصيره (حيًا أم ميتًا)، مما يجرده من أبسط حقوقه في الحماية وتعيين من يدافع عنه قانونًا.
وفي المحور الثاني، تناول السامعي مفهوم “الاحتجاز التعسفي”، مشددًا على أنه تقييد لحرية الإنسان دون مسوغ قانوني أو خارج الضوابط الإجرائية المقررة.
وأكد السامعي أن السجون والمعتقلات غير الرسمية تعد البيئة الخصبة للتعسف، مستشهدًا بوقائع عديدة لمعتقلين ظلوا لسنوات وأشهر في السجون دونما إحالة إلى الجهات القضائية، بالمخالفة الصارخة للدستور والقانون اليمني.
وحول تفكيك مفهوم “الاختفاء القسري”، بيّن غازي السامعي أن هذه الجريمة تتميز عن غيرها بالتلازم الصارم بين ثلاثة عناصر أساسية، تبدأ بصفة الفاعل من خلال سلب الحرية بواسطة سلطات رسمية أو مجموعات مسلحة (سلطات أمر واقع) تعمل بدعم من الدولة أو بتغاضٍ منها، ويتبعها إنكار الواقعة عبر الرفض التام للكشف عن مصير الشخص أو مكان احتجازه والتكتم الكامل من قبل الجهة القائمة على الأمر، وصولًا إلى النتيجة الكارثية المتمثلة في الحرمان من الحماية القانونية وتجريد الضحية كليًا من حقوقه وإلقائه خارج أطر القانون.
واستعرض السامعي المحددات القانونية الصارمة وفقًا لقانون الإجراءات الجزائية وقانون السجون، مشددًا على أن أجهزة الضبط القضائي لا تملك قانونًا سوى 24 ساعة فقط لاحتجاز أي شخص، لتكون بعدها ملزمة فورًا إما بالإفراج عنه أو إحالته إلى النيابة العامة.
وأوضح أن النيابة تملك سلطة تمديد الحبس الاحتياطي لمدة 7 أيام فقط، في حين يظل التمديد لمدد أطول تصل إلى 15 أو 45 يومًا وأكثر، وفقًا لنصوص قانونية حازمة في قانون الإجراءات الجزائية، وأن هذا الإجراء محصور حصرًا بقرار من القاضي والمحكمة المختصة، مع الإشارة إلى أن السقف الزمني الإجمالي لفترة التحقيق كاملة يجب ألا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ بدئها.
واختتم السامعي الجلسة بالإشارة إلى المأساة النفسية والإنسانية العميقة التي تخلفها هذه الانتهاكات، حيث لا تقف الآثار عند الضحية المحتجز أو المخفي، بل تتعداه لتكوي بنارها عائلته وأطفاله والمجتمع برمته، مقتبسًا أبياتًا شعرية مؤثرة تجسد لوعة أبناء المخفيين قسرًا وانتظارهم الضائع والأليم.
فيما أكد رئيس مصلحة الإصلاح والتأهيل، اللواء الدكتور عبدالسلام الضالعي، أن إصلاح القطاع العسكري والأمني يعد الركيزة الأساسية لأي مشروع عدالة انتقالية واستقرار مستدام في اليمن، مشددًا على أن استمرار الانقسام الفصائلي وغياب العقيدة العسكرية الموحدة يهددان بانهيار جهود السلام.
جاء ذلك خلال محاضرته في الجلسة العاشرة يوم أمس الأربعاء، والمخصصة لمناقشة “إصلاح القطاع الأمني والتدقيق والإصلاح المؤسسي”، والتي تناولت محاور نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، وحظر تجنيد الأطفال، وآليات العزل الوظيفي للمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
وأوضح اللواء الضالعي أن تجارب النزاعات السابقة أثبتت فشل الحلول الترقيعية في معالجة الملف العسكري، مؤكدًا ضرورة توحيد كافة التشكيلات والوحدات العسكرية والأمنية تحت مظلة وطنية واحدة، بعقيدة قتالية موحدة تحمي كافة المواطنين دون تمييز أو محاصصة حزبية أو مناطقية.
وأضاف أن استمرار حالة اللا توازن وانقسام السلاح يجعل قرار الحرب والسلم بأيدي أطراف متعددة، مما يستدعي خلق إرادة وطنية وضغط دولي جاد لإخضاع كافة القوات للشرعية الدستورية، وإيجاد بدائل اقتصادية واجتماعية حقيقية للمسرحين من السلاح للحد من إعادة انخراطهم في النزاعات المسلحة.
وشهدت الجلسة نقاشات حادة من المشاركين حول تحديات تسريح المقاتلين، ومعالجة الاختلالات المترتبة على كشوفات المرتبات والموازنات العسكرية، إضافة إلى استعراض آليات العزل الوظيفي للحيلولة دون وصول المتورطين في جرائم الحرب إلى مناصب قيادية في المستقبل.
كما سلطت الجلسة الضوء على ظاهرة تجنيد الأطفال واستغلال الوضع الاقتصادي المتردي لتجنيدهم، حيث تم التأكيد على ضرورة فصل مسار إعادة تأهيل الأطفال وتوفير الدعم النفسي والتعليمي لهم لدمجهم في المجتمع، باعتبارهم الركيزة الأساسية لمستقبل البلاد.
واختتمت الجلسة باتفاق كافة المشاركين على البدء الفوري في المجموعات العملية لتطوير توصيات ومخرجات محددة حول المحاور الثلاثة (نزع السلاح وإعادة الدمج، والتدقيق والعزل الوظيفي، ومنع تجنيد الأطفال)، بهدف تقديم حلول شجاعة ومحايدة تتجاوز حالة الانقسام المسلح في البلاد.
وبعدها بدأ الميسر إياد دماج جلسته الحادية عشرة حول إحياء الذكرى والتخليد التذكاري، وتحدث فيها عن مفهومي “السردية” و”الاستراتيجية”، مشيرًا إلى أن مصطلح “السردية” أصبح مستخدمًا بكثرة في مجالات متعددة.
وأوضح دماج أن السردية في جوهرها هي القصة التي تتضمن أهوائي ورغباتي حول الحقيقة؛ إنها نسختي الخاصة من الحقيقة.
وأكد أن الفرق يكمن في وجود نسخ متعددة ومختلفة حول الحرب والحقيقة، فكل طرف يمتلك أهواءه وتدابيره الخاصة لتحديد من هو “الخير” ومن هو “الشرير”، وكل هذه التقديرات تقع ضمن نطاق السردية.
وأوضح أن السرديات ليست مجرد قصص عابرة، بل هي إحدى أهم آليات وتكتيكات القوى التي تسعى للهيمنة وفرض سيطرتها.
وللتدليل على سطوة السردية في الصراعات، استشهد دماج بالشاعر محمود درويش وحواره المتوتر مع الكيان الإسرائيلي عبر شعره، حيث يقول درويش في إحدى قصائده: “اكتب، فمن يكتب يملك أرض الكلام ويملك المعنى”. فالسرديات متناقضة بطبيعتها، والشاعر يكتب ليدفع النفي عن شعبه، في حين يعبر في قصيدة أخرى عن حالة التنافس في البكاء والمظلومية بقوله: “لولا المسدس لاختلط الناي بالناي”، موجهًا رسالة مفادها أن استخدام القوة والمسدس هو ما يمنع اختلاط بكاء الضحية والحقيقة بدموع الطرف الآخر.
ثم انتقل دماج للحديث عن تخليد الذكرى، موضحًا أنه يمثل مرحلة مستقبلية قائمة على الاعتراف العام. ورغم أن بعض عناصر الذكرى ينبغي العمل عليها فورًا أثناء النزاع لحفظ الحقوق، فإن التخليد الكامل يتحقق في المستقبل عندما يشفى المجتمع أو يتشافى، وعندما يسود السلام وتتحول تجربة الظلم والقهر الفردية (كفقدان شخص أو تدمير منزل أو تغير مكان إلى الأبد) إلى اعتراف جماعي يمنح هذه التجارب حضورًا في الفضاء العام والشارع والنقاش العادي.
ثم فرّق دماج بين الاعتراف والتحقيق، وقال إن الاعتراف وتخليد الذكرى مرتبطان بالأسئلة الكبرى للمجتمع: كيف يعترف المجتمع بما حدث؟ وكيف تصان كرامة الضحايا؟ وأوضح أن التحقيق مرتبط بالعمل المباشر، ومنه المساءلة الجنائية، وتحديد الأدلة والوقائع، وجبر الضرر، ومعرفة من تضرر بدقة (مثل تحديد المنزل الذي سقطت عليه القذيفة والمتضررين منه).
وأشار إلى أن الأبعاد التي تغطيها الذاكرة والكرامة واسعة جدًا، وقد تشمل الحق في التعليم واحترام الذات والعيش الكريم، بينما يركز التحقيق على الوقائع التفصيلية والموثقة.
وفيما يتعلق بأشكال الذاكرة، فقد صنفها إلى ثلاثة مستويات رئيسية ينبغي العمل عليها وتكاملها لتخليد التاريخ والعدالة الانتقالية، أولها “ذاكرة تُزار”، وتتجسد في المعالم والمساحات المادية الملموسة كالمتاحف، والنصب التذكارية العامة، ومواقع الانتهاكات، ومسارات الذاكرة التي تبقى على الشواهد الحية، كما حدث في بعض التجارب الدولية، مثل تشيلي، حين تُركت بعض الشوارع المدمرة على حالها لتظل شاهدة تذكّر الأجيال المتعاقبة.
ويرافق هذا البعد المادي مستوى آخر، وهو “ذاكرة تُروى”، تعتمد على السرد الشفوي والصور والمسرح والأدب والفنون والإنتاج الثقافي بمختلف أشكاله، إذ يبرز دور الأدب والفن كركيزة استثنائية لتوثيق الذاكرة وصونها من النسيان، وهو ما يتجلى في أعمال قامات فكرية وأدبية بارزة مثل عبدالله البردوني، والدكتور عبدالعزيز المقالح، ومحمد عبدالولي، والتي تحولت كتاباتهم إلى وثائق تاريخية وسرديات راسخة لا يمكن محوها.
وأخيرًا، تتجلى هذه الجهود في “ذاكرة تُعاش”، تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع من خلال المبادرات الرقمية والمحلية وإحياء أيام خاصة للمفقودين، فضلًا عن إطلاق أسماء الضحايا والشخصيات الوطنية على الشوارع والمدارس ودور الرعاية، لتبقى تلك الذكرى جزءًا حاضرًا ومؤثرًا في وجدان المجتمع وممارساته اليومية.
وبعدها تطرق دماج إلى خطورة السرديات المتنافسة، موضحًا أن الذاكرة في أوقات الصراع تتحول إلى صراع على مشروعية الضحية، حيث يستغل كل طرف سياسي دماء ضحاياه لبناء مشروعية سياسية وأخلاقية، مستفيدًا من ميل المجتمعات القديمة إلى تمجيد الموت والشهادة.
وأكد أن خطورة احتكار طرف واحد لإدارة الذاكرة أو فرض سردية واحدة قد تحول الذاكرة من أداة للتعافي إلى جبهة مواجهة جديدة، وتتسبب في المزيد من النزاع.
واختتم دماج بالحديث عن التصميم المتمحور حول الضحايا، مشددًا على ضرورة تجاوز الاستغلال السياسي للقضايا، والوصول إلى إقرار جماعي ومشترك بين الأطراف بوجود ضحايا من كل الأطراف.
وأكد أن إغلاق السجون السرية، والكشف عن المخفيين قسرًا، وإصدار قرارات ملزمة لمنع تكرار الانتهاكات، يعد مدخلًا أساسيًا لتحويل الذاكرة إلى وسيلة للتعافي وبناء السلام المستدام.



