آخر تحديث :الثلاثاء-26 مايو 2026-07:33م

"داعش" التي نكرهها

الثلاثاء - 13 يناير 2015 - الساعة 12:25 م
علياء إبراهيم

لداعش "أبطالها" في كل مكان. التنظيم توعد وحض على قتل "الفرنسيين الأنجاس", وما التلبية السريعة للدعوة على يد فرنسيين أبناء مهاجرين مجنسين إلا دليل إضافي على همجية التنظيم المتعاظمة.

في دمشق, يضحك الرئيس السوري ملء رئتيه. ينقل عنه زواره من السياسيين اللبنانيين كلاماً عن حلٍ سياسيٍ آتٍ لا محالة هذا العام لتدعيم نظامه، الذي أثبت أنه ضرورة لحماية مصالح المجتمع الدولي.

في أوروبا, يعد اليمين المتطرف العدة لصعودٍ آتٍ لا محالة. في ضوء جريمة شارلي إيبدو, بدا خطاب مارين لوبن رئيسة الكتلة الوطنية المعروفة بمناهضتها للمهاجرين مقنعاً وحازماً، في مواجهة "عقيدة قاتلة تحصد آلاف الأرواح حول العالم".

لا خوف على أوروبا, فالأوروبيون يستطيعون أن يحموا دولهم من تطرف يهدد انفتاحها واعتدالها. أي صعود لليمين المتطرف لن يكون من دون تنازلات كبرى يقدمها لإقناع شريحة أكبر من المجتمع, وما النقاش الدائر في فرنسا ذاتها حول ضرورة عدم تحميل المسلمين تبعات أعمال إرهابية لمجرد أن من ارتكبها مسلمون إلا دليل على ذلك.

هذا النقاش, دفاعاً عن النفس أكثر مما هو حب للمسلمين.
في المقلب الآخر لن تجد داعش – وهي في غير سوية أي نقاش - من يقف في وجهها.

ستقتل أكثر باسم الدين. ستحرض على "الغرب النجس" وتتمادى باستباحة "نساء الكفار" وستنجح باستقطاب المزيد من الشباب المشبع بكل أنواع القمع السياسي والذلّ الاجتماعي والكبت الجنسي. ستتمدد أفقياً وعامودياً.

هجمات "أبطال" داعش, الذين وصلت توقيعاتهم إلى أستراليا وكندا وصولاً إلى باريس, لن توقفها حدود, هم هناك, يحتمون بمجتمعاتٍ تعتبرهم بشراً وبقوانينٍ تجعل منهم مواطنين لديهم حقوق.

داعش ستمدد, والتطرف سيغلب وبشار الأسد وأمثاله سيضحكون بانتظار التسوية التي تعيدهم إلى كراسيهم الصامدة فوق أنقاض كل شيء.

إثر تطورات باريس بدا المشهد في العالم العربي مقتصرا على الديكتاتوريات بوجهيها الديني والعلماني, فيما غرق الديمقراطيون بجدل عقيم تفاوتت الآراء فيه حول مسؤولية الغرب "المتآمر", و"العنصري" عما جرى.

المعتدلون, الخائفون على مستقبلهم من داعش, أهل الدار الرافضون لاستخدام العنف باسم الإسلام, متدينين كانوا أم علمانيين, مقيمين أم مهاجرين بدوا في أبعاد أي مسؤولية عن أنفسهم وكأنهم يعترفون بقصرهم وعدم قدرتهم على الاتفاق على أبسط المبادئ الإنسانية.

رفض قتل فنانين وصحافيين, لا يشترط بأي شكل من الأشكال قبول آرائهم.
المقدس لا يمس عند من يؤمن بحرمته فقط, حرية التعبير مقدسة لدى الغرب, القبول بقتل رسامين لأنهم احتقروا مقدسات الإسلام في أوروبا قد يوازيه القبول بقتل أو قمع أو ملاحقة كل من يعبر عن احتقاره لحرية التعبير.

كل هذا النقاش الدائر حول شعار أنا شارلي, لماذا؟
أين الصعوبة في التعاطف مع ضحايا قتلوا بسبب آرائهم؟
كيف نستطيع أن نتحدث عن عنصرية, وشمولية, وظلامة، أي جهة إذا كنا لا نستطيع أن نتفق حول أن قتل نفس, أياً كانت, ليس جريمة؟

نحن الذين نريد من العالم أن يتعاطف مع ضحايانا، ولا نخجل من تصنيف ضحاياه وانتقاء ما يناسبنا منها للتضامن معها, ماذا فعلنا لحماية ثلاثة ملايين مسلم في فرنسا؟ وكيف نقول للألمان الذين استقبلوا 200 ألف لاجئ سوري السنة الماضية وحدها, إنهم لن يدفعوا دماً ثمن فتحهم أبوابهم تحت عنوان حقوق الإنسان؟

الحديث هنا ليس عن جمهور داعش المحتفل بنصر ضرب أوروبا في صميمها.
الحديث عن من يعتبر أن داعش لا تمثله ولا تمثل دينه.
الحديث عن بعض إعلام عربي أساسي لا يرى في اغتيال صحافيين جالسين في غرفة تحريرهم إرهاباً, وعن مؤسسات ومرجعيات دينية لم تصدر بيانات واضحة تعتبر أن ما حصل ليس إسلاماً, وعن ليبراليين يشترطون على حرية التعبير أن تناسب آراءهم, وعن علمانيين يرون في التضامن مع ضحايا الآخرين خيانة لـ"قضايانا".

التبسيط بالقول إن داعش ابنة مؤامرة عالمية, وإن حمل ما يحمل من الصحة, إلا أنه يتجاهل حقيقة أن داعش قيادة وعديداً وجمهوراً هي أكثر من أي شيء آخر, هي داعشنا, وهي تتكلم باسمنا عرباً ومسلمين.

المطلوب ليس اعتذاراً من أحد. المطلوب نقاش مع الذات.
نحن الذين في يوم ليس بعيد ثرنا, واعتقدنا لوهلة أن لنا الحق بحياة تشبه حياة الآخرين. نسينا أو تناسينا عفن مجتمعاتنا التي كان لا بد أن تنتج داعش. انقسمنا, وتخاذلنا وقبلنا.

ها هي داعش تنتج لنا إسلاماً غير مطابق لمواصفات عصرنا... إما أن نقف في وجهها, أو نعترف بأننا غير مطابقين لشروط الثورات التي حلمنا بها.
ليضحك بشار الأسد ملء رئتيه.
وليمت اللاجئون في صقيع التجاهل.
ولنبقى نحن عالقين في دوائر عنفنا, فحتى الهرب لن يكون ممكناً والغرب الذي طالما تغنينا بكرهه, سيقفل أبوابه في وجهنا.

 

* نقلاً عن " العربية.نت"