هذا التشظي الذي يعيشه الجنوب اليوم وهذا الانقسام الأفقي والراسي الذي وصل إلى كل دار وشارع وقرية ومدينة كلها تنذر بكارثة حقيقية أذا لم يتم تداركها .
مما يؤسف له أن الجنوب اليوم لم يستفد بعد من دروس وعبر الماضي ، فرغم الحديث كثيرا عن تلك الأخطاء الا ان أفعالنا تؤكد أننا ماضون في إعادة إنتاج تلك الخطايا من جديد .
كل المكونات السياسية والاجتماعية الجنوبية تتناحر فيما بينها وتتقاذف بالتهم والبذاءات ، وأصبحت لغة التخوين والتهميش والإقصاء اللغة اليومية في أحاديث الشارع الجنوبي .
كم نحن بحاجة اليوم في الجنوب أكثر من أي وقت مضى من إعادة قراءتنا المتعمقة والمتأنية لمراحل سابقة لاستخلاص الدروس والعبر ، وما شهدته من أخطاء وتجاوزات لعل أهمها الحرب الأهلية التي نشبت بين فصيلي المقاومة الرئيسيين الجبهة القومية وجبهة التحرير وما رافقه بعد ذلك من تصفيات متلاحقة وولادة دولة عانت صراعات متتالية توجت بأحداث يناير المؤلمة ،وكل ذلك نتيجة عدم الاعتراف بالآخر الجنوبي والتعدد والتنوع وحرية التعبير و احترام الرأي الآخر ، وتبني ثقافة الإقصاء وأنا ومن بعدي الطوفان . .
لاشك ان الحراك السلمي الجنوبي أسس مداميك التصالح والتسامح الجنوبي في عام 2006 م ، ولاشك مرة أخرى ان الحراك أنتج أول ثورة عربية سلمية لم ينصفها الإعلام العربي، الا أننا رغم ذلك كجنوبيين نمارس عكس تلك المبادئ التي أسسها الحراك في سنواته الأولى ، وللأسف ان هناك من يحاول تسلق الحراك لتحقيق مآرب شخصية وسياسية خاصة به خاصة أولئك الهاربين من النظام السابق من حراك 2011م والذين يحاولون الاحتماء بالحراك ليحميهم من أخطاءهم السابقة ، وهم يعملون بشتى الطرق تشويه الحراك الجنوبي ومحاوله عسكرته وهم بذلك يحاولون إيجاد المبررات لقمع فعالياته من قبل النظام الجديد .
لاشك ان الحراك بري من بعض التصرفات الفردية التي يقوم بها المحسوبين عليه وخاصة من أولئك الذين أتوا من أحزاب شمولية لا تؤمن بالآخر ، لكن الحراك عليه ان يكون قدوة في عمله النضالي في أقناع شعب الجنوب والعالم اجمع انه حركة سلمية مدنية حديثة تؤمن بالتعدد ومقومات الدول المدنية الحديثة ورفض ثقافة العنف ، وبذلك يستطيع الحراك ان يتقدم كثيرا إلى الإمام .
غير ان الأهم من كل ذلك سرعة الولوج في حوار جنوبي شامل يضم كل أطياف العمل السياسي والاجتماعي الجنوبي ، وبغير ذلك فان شبح الحرب الأهلية سيظل قائما بين أبناء الجنوب وإعادة مأساة الاقتتال الأهلي الجنوبي الذي كان، لاسيما وان الشارع الجنوبي يعاني اليوم حالة من الاحتقان والشد والجذب والعداوات الشخصية تنذر بكارثة حقيقة إذا ما حانت ساعة الصفر ونضجت الظروف الموضوعية والذاتية لذلك ، وهنا يطرح السؤال نفسه : ما الذي يمنع تكرار جولات الصراع الجنوبية السابقة في ظل كل هذه المعطيات ؟
اللهم أني بلغت .. اللهم فاشهد