لا شيء أغلى لدى الإنسان من وطنه، فهو يحبه مهما كانت الحياة فيه قاسية وشحيحة فهناك علاقة أزلية تربطهم فهو الانتماء والولد والذكريات والهوى، وكل شيء مرتبط بحياة الإنسان فهو من الوطن ومن أجل الوطن يقدم الإنسان الغالي وهو على استعداد أن يقدم حياته فداء، حتى الحيوانات والطيور تحب أوطانها ولا ترغب في الذهاب إلى أماكن أخرى، وإن حصل شيء من الهجرة لبعض الطيور فهو مؤقت وسرعان ما تعود، يسبقها الشوق والحنين إلى أعشاشها في موطنها الأصلي، وما يشهده العالم حاضرا وفي الماضي من صراعات وحروب بين الدول فإنه من أجل الأوطان ومصالحها، فالكل حريص على وطنه ويفخر به والمشكلة التي تعاني منها الدول النامية يختلف عن ذلك، لأن الصراعات في هذه الدول يكون مصدرها داخلي وبين أبناء الوطن الواحد، وينسبها المنتصر إلى الدفاع عن الوطن.. والحقيقة أن الوطن بريء من ذلك في أغلب الأحيان، وإنما من أجل مصالحهم الشخصية ومن أجل الوصول إلى كرسي السلطة، ونتيجة لذلك فقد ظلت الكوارث تتلاحق وتعصف بالمجتمعات وخاصة العربية، وكل ذلك سببه الجهل وعدم النضوج الفكري والثقافي.. فلا هم جعلوا الحكم بينهم شورى، ولا اتبعوا نقل السلطة سلمية عبر صناديق الاقتراع، وهاتان الوسيلتان ناجحتان بواستطهما يعم الخير وتزدهر المجتمعات.
ونحن في جنوبنا الحبيب، عانينا من ذلك بعد الاستقلال وكل الأحداث السياسية التي عصفت بالوطن كانت بفعل ذلك، وظل رفاق السلاح أبناء الجلدة الواحدة في تناحر مستمر تحت مبرر خيانة الوطن أو غير ذلك من المسميات.. ولأن الجنوب اليوم أمام مفترق طرق يكون أو لا يكون، فإن الحقيقة الماثلة للعيان تقول إن الانتقالي أكثر تأهيلا لإيجاد ذلك الوطن، وعلى كل الشرفاء الوقوف معه من أجل إنجاز هذه المهمة الكبيرة، وعدم وضع العراقيل أمامه، فإن فشل الانتقالي في ذلك فقد انتكس الجنوب ولا أعتقد أن هناك جنوبي غيور يريد ذلك الفشل، كما أطلب من القادة السياسيين الذين سبق لهم تجربة العمل السياسي تقديم النصح لذلك المجلس، فالوطن للجميع، وما مر بالجنوب كافي ومن المهم الاستفادة من ذلك، فلا أحد يستطيع أن يبني الوطن لنفسه، وعلى الانتقالي التفهم لهذه المسائل وأن يعمل على قبول الآخر، والأخذ برأيه، ففي ذلك العمل ضمانة أكيدة للوصول بسفينة الجنوب إلى بر الأمان، ويجب على الانتقالي تحسين مساراته السياسية وإبرازها للجماهير، فالناس تريد أشياء على الواقع وقد ذهب زمن الفوضى والعصبية، فالمجتمع الجنوبي اليوم يشهد طفرة سياسية متقدمة، على الجميع اغتنام هذه الفرصة لما فيه مصلحة الوطن العليا.