أود أن أشير بداية إلى أن هذه المقالة ليست نقداً لشخص الأستاذ العزيز فتحي بن لزرق، فهو صحفي مميز وكاتبٌ لا يُشق له غبار، كما أود التنوية أيضا إلى أنني لا أصادر حق أ. فتحي بن لزرق في تبني آراء تخالف السائد في المجتمع، بل أزعم أن التغييرات الكبرى في العالم حدثت على أيدي أناس خالفوا السائد في مجتمعاتهم.
لكن ما انتقده ليس في فتحي بن لزرق كشخص، أنما انتقادي هو لشخص المثقف اليمني جنوباً وشمالا؛ حيث أن المثقف والنخبة المثقفة في المجتمعات عموما لديها مهام مختلفة من ضمنها تصحيح المفاهيم السائدة في المجتمع، وتحليل جذورها وأسبابها ووضع تصورات لعلاجها، وكذلك من أدوار المثقف عموماً -لاسيما في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل- هو انتشال المجتمع من مستنقع الجهل إلى التطور والتحديث.
لكننا في اليمن للأسف ولاسيما في سنين الحرب الجارية وجدنا المثقف اليمني أكثر تطرفاً و سطحية وتشوش في الطرح من العامي البسيط في الشارع الذي تحركه عواطفه ومشاعره وفطرته، بل في كثير من الأحيان يحاول العامة والبسطاء انتشال المثقف اليمني من دوامة التخبط الفكري!. فعلاً سبيل المثال نجد في الشمال يظهر لنا الأستاذ علي البخيتي كشخصية مثقفة ليتحول -بعد عدة تحولات كبرى- من الفكر الحوثي القائم على مزيج من الفكر السلالي والديني والقبلي إلى اللادينية والإلحاد، فبدل أن يُحارب أو يرفض أ. علي البخيتي المفهوم الحوثي للإسلام قام علي البخيتي برفض فكرة الإسلام ككل!
وفي سياق منفصل -كما يقال في نشرات الأخبار- نجد أن الأستاذ فتحي بن لزرق، أعلن كُفره بمشروع الدولة الجنوبية والاستقلال أو الانفصال، وأعلن توبته الصادقة النصوح عن كونه كان من أشد مؤيدي الانفصال، متخذًا من الوضع المأساوي في الجنوب ومن حماقات المجلس الانتقالي الجنوبي سبباً في تحوله الفكري.
وللأسف يكرر أ. بن لزرق خطأ أ.البخيتي - مع فارق التشبيه- فبدل أن يكفر فتحي بن لزرق بمشروع الدولة الجنوبية التي يتبناها الانتقالي، كفر بحق الشعب الجنوبي كاملاً في أن يقرر مصيره كأي شعب في العالم، وأن يختار نظام الحكم وشكل الدولة التي تناسبه وتناسب تطلعاته وطموحة.
وبدل أن يقف - على الأقل- على الأسباب التي أدت لفشل مشروع الوحدة، نجده هرول إلى لتأييد ودعم الأدوات التي أفشلت الوحدة ومنها حزب المؤتمر الشعبي العام، والذي بسببه تهدمت وقتلت الوحدة اليمنية في عامها الرابع، وثم قام بحرق البلد بمن فيه في ثورة ٢٠١١ بالمشاركة مع التجمع اليمني للإصلاح.
والغريب أن أ. بن لزرق يصور أن الوضع كان جنة قبل ٢٠١١، بينما في الحقيقة أن الوضع قبل ٢٠١١ كان تمهيداً لكارثة من بعد ٢٠١١ فالوضع نعم كان أفضل من الآن وبمراحل، ولكن هل كان الوضع طبيعي وجيد؟ الجواب وقطعاً لا، فكانت اليمن حينها ينتشر فيها الفقر والجهل والتخلف وضعف شديد في مستويات التنمية خصوصاً في الجنوب.
ولو اعتمدنا على الأسلوب الذي يتبناها أ. فتحي بن لزرق في الاستنتاج السياسي، سنقول أن زمان الحزب كان أفضل بكثير من زمن الوحدة، وسيقول آخرون أن زمن الاستعمار البريطاني أفضل وهكذا، وفي الحقيقة أن كل هذه الانظمة فشلت، وكل نظام لا يأخذ برأي الشعب ولا يحترم حقوق الشعب وكل نظام يرتهن للخارج سيكون مصيره الفشل إلا في حالة وجود مقومات إقتصادية أخرى (كالأنظمة الريعية). وهذه الحالة لم ولن تنطبق على وضعنا في اليمن عموماً وفي الجنوب خصوصاً
أخيراً، وفي ظل سفك الدماء القائم في اليمن عموماً ربما يجب أن يخفف المثقف اليمني أولاً من حدة كافة الانتماءات الصغرى ويتمسك بإنسانيته ويدعو لوقف نزيف دم اليمنيين في كل مكان، كما يجب أن يطرح المثقفون اليمينين جنوباً وشمالاً أطروحات أرقى وأكثر عالميةً وإنسانية وأن يتجاوزوا اللغة "الجاهلية" القائمة على التعصب والكراهية للآخر، وأن يعملوا على تثقيف الشعب ليحكم نفسه بنفسه وليقرر مصيره ويختار نظام حكمه وفقاً لمصالحه. وأن تكون كل الاطروحات السياسية محل بحث ونقاش وجدال راقي بعيداً عن عنف السلاح وعفن السياسيين الفاسدين.
ناصر اليافعي
٢٥ اكتوبر ٢٠٢٢