آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-10:41م

عن أزمة اليمن التاريخية

الأحد - 12 مارس 2023 - الساعة 04:37 م
عبدالرحمن الرياني

بقلم: عبدالرحمن الرياني
- ارشيف الكاتب


في البدء أكد أبن خلدون أن القبيلة تشكل دائمًا عاملاً  رئيسىيًا لحالة  عدم الإستقرار السياسي في البلدان  ، وفي مجتمع منقسم مثل اليمن حد وصف أرنست جيلنر وروبرت مونتابي ، وفي ظل قوة القبائل وضعف وهشاشة الدولة المركزية يصعب بناء دولة مؤسسات مستدامة ونظام حكم ليبرالي،عبر التاريخ لم تعرف اليمن  كغيرها من الدول سيطرة مطلقة للحكومات المركزية سوى في فترات قليلة متباعدة ، ليس هناك أزمة هوية في اليمن لكن الأزمة كانت دائمًا في تحريك وطغيان وهيمنة الهويات الفرعية على الهوية الجامعة ، عُرف عن اليمني دائمًا أنه لا يكتفي بتعريف نفسك تعريفًا يراه قاصراً ، اليمني يصر على معرفة المنطقة والقبيلة من باب تحديد الموقف منك في التعامل أو اللا تعامل وهل يمكن أن يشعر منك بالخوف بالحذربالإطمئنان لك أم العكس ، الوطنية ومفهوم الإنتماء لم يتبلور حتى بعد مرور أكثر من ستة عقود على الثورة اليمنية في سبتمبر 1962 ، اليمن ضحية للجغرافيا والديموغرافيا عبر التاريخ الجغرافيا كموقع وتضاريس وجبال هي من جعلت اليمن تدفع أثمانًا باهظة كانت جغرافية اليمن ولا تزال تعمل ضده حسب رأي الجيوسياسي الأميركي روبرت كابلان، في كتابه "انتقام الجغرافيا"  تلك الجغرافيا هي التي جعلت كابلان يصف اليمن بالقلب البالغ الأهمية في المنطقة ، هذا الوصف لم يتآتى سوى لكون العلماء الأروبيون أدركوا منذ القرن التاسع عشر أهمية الموقع الجغرافي لبلاد العربية السعيدة ، والموقع يعني لدى علماء الاقتصاد مقدرات ومقومات غنية وثرية للبلد الذي يشرف على واحد من أهم المضائق والممرات الحيوية في العالم مضيق باب المندب الذي تمر عبره 12% من تجارة العالم ، وحسب دراسة نشرتها  مؤسسة كارنيجي في 17 مايو 2021، رأت أن اليمن "يأتي في قلب مشروع “طريق الحرير وحزام الطريق ” نظراً لأهمية موقعه وامتلاكه عدداً من الموانئ والجزر المتناثرة، وعددها يزيد على ال1400جزيرة ،المشروع الصيني العملاق الذي يمر عبر 68 بلداً في الكرة الأرضية ،  بين اسيا وأوروبا وأفريقيا اليمن هي القلب له بموانئها في البحر الأحمر والبحر العربي عدن ، الحديدة ، الصليف ، المكلا ، هذا الموقع الأستراتيجي البالغ الأهمية لم يتم الإستفادة منه طوال عدة عقود  وحتى اللحظة هناك دولتين بدأت بأخذ المبادرة من اليمن أو من ميناء عدن تحديداً وهما الكويت التي أبرمت اتفاقية تأجير أحد االموانئ لتكون عاصمة اقتصادية للطريق بقيمة تصل إلى 550مليار دولار وجيبوتي التي أضحت منطقة صناعية صينية منافسة لعدن ، وعلى عكس المنطق والعلم بدلاً من أن يتم التعامل مع الجيوسياسية اليمنية بما يخدم اليمن على المدى البعيد كانت  القرارات التي أصدرتها الدولة  الماركسية التي نشأت بعد الأستقلال في جنوب اليمن تخالف العقل وتتناقض مع المنطق  و كان ميناء عدن رمزية للموقع الجغرافي أهم ضحايا تلك القرارات الخاطئة ،هنا أتوقف لأطرح السؤال الذي أعتبره من الأهمية ذات البعد الأستراتيجي أين هي عصارت الفكر اليمني فيما يتعلق بالأهمية الأستراتيجية للجيوسياسية استغلال الموقع الجغرافي سياسيًا ؟ بالقطع الإجابه على ذلك بالنفي تركيبة القوى المشتغلة في السياسة اليمنية نشأتها في ظرف تاريخي معين وظروف النشأة جعلت منها لا تكترث بذلك وبالتالي باتت قوى خالية من وجود أي رؤى ذات بعد أستراتيجيي  ، بينما العكس ما يحدث في الجوار والإقليم فضمن ورقة عمل قدمها اللواء أنور عشقي في المؤتمر السابع لطريق الحرير 2016 تطرق إلى الثروات النفطية ما أطلق عليه حينها حقل الربع الخالي ( نفط الجوف اليمني) بوجود قرار متخذ سلفًا لدى صانع القرار الخليجي والسعودي باقتسام النفط اليمني مناصفة لثمانية عقود قادمة بعد نهاية الحرب في اليمن مع الحكم في اليمن ، بينما لم يتم التطرق إلى مثل هذه القضايا في اليمن من أي طرف وفي حالة أثارتها  لم تكلف النخب اليمنية نفسها عناء البحث والبناء على منتجاته ومخرجاته بدلاً عن ذلك تقوم النخب  للتقليل منها على الرغم من تسليط الضوء عليها من عدد هام من وسائل الإعلام والقنوات العالمية تقرير CNN   الأمريكية 2017   وتقرير RT  الروسية وما ورد في خطاب الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" فبراير 2018 والذي أكد فيه أن الحرب في اليمن هي من أجل النفط فقط ، أزمة اليمن الجيوسياسية والجيو ايكنوميك الجغرافي الأقتصادي لا يمكن حلها بواسطة الوعاء السياسي الراهن لأسباب عديدة ومتشعبة سيتم تناولها لاحقًا،  حيث تعتبر أزمة اليمن الحالية من الأزمات التي تجاوزت كونها مرّكبة أقرب لعدة نماذج لأزمات تشهدها دول عدة  يدخل فيها النموذج الليبي من الناحية  كصراع قبلي والعراقي كصراع مذهبي والسوداني كمناطقي حزبي وهي لذلك تحتاج إلى ما يمكن توصيفه بمشروع مارشال سياسي شبيه بذلك الذي نفذته دول الحلفاء لإعادة تأهيل غرب أوروبا بعد نهاية الحرب الكونية الثانية هذا المشروع يحتوي على مصفوفة متكاملة لمعالجة جوانبه الأربعة القبلي والمذهبي والحزبي والمناطقي ، لكن يمكن للحل الأقتصادي الناجع أن يجعل تلك الآبعاد لجوانب الصراع تتأكل مع مرور الوقت وفي حالة عدم وجوده فإنها ستستمر تطفوا فوق السطح وستتم إعادة أنتاجها وتدويرها مرات أخرى بما يعني دخول البلد في حلقة مفرغة كنتاج طبيعي وحتمي للحلول الترقيعية الملفقة ،عامل رئيسي مهم  لا يمكن العبور إلى الحل دون توافق الدول الكبرى التي بالتأكيد تهتم  بضمان مصالحها الأقتصادية في المنطقة وفي قلبها الأستراتيجي اليمن قبل أي أمر أخر  وبالنظّر إلى اللاعبين الدوليين في الأزمة اليمنية نرى أن هناك دولتين اقليمتين على درجة من الأهمية تؤدي أدواراً وظيفية هامة لمعسكرين متنافسين بقوة على الجغرافيا الأقتصادية لليمن وهما الإمارات وإيران  الأولى مدعومة من الولايات المتحدة والثانية مع الصين ووجدت كل دولة في الدور الذي تقوم فيه في اليمن يحقق مشروعها الأقتصادي الذي يمنع نهوض عدن على حساب دبي ويوقف انضمام اليمن لطريق الحرير وحزام الطريق وهو ما يلبي الرغبة الإماراتية والأمريكية ، في المقابل حضور إيران القوي كداعم للحوثيين يلبي الطموح الصيني للخروج بنصيب من الكعكة الأقتصادية اليمنية إذ أنه صانع القرار الصيني الذي مضى في اتفاقيات اقتصادية تمكن خلالها من إقامة مناطق صناعية حرة في ميناء جيبوتي وميناء الدقم العماني لايرى في تلك الأتفاقيات بديلاً ناجحًا على المدى الأستراتيجي عن ميناء عدن ، الحل عادةً ما يكون بمصفوفة لرؤية متكاملة قادرة على قراءة المصالح الدولية والإقليمية  بوضوح وهنا يأتي دور النخب الرصينة التي تتصف بالخبرة وقادرة على إعادة صياغة المشهد في هذه اللحظة التاريخية المفصلية من تاريخ اليمن ، وبالنظر إلى المشهد اليمني الراهن أرى أن السمة البارزة فيه هو الفراغ وأعني به فراغ المشهد بين قوسين ( الحزبي ) من شخصية قادرة على تقديم المبادرة لإخراج اليمن من محنتها ولهذا الحل برأيي يأتي من خارج المشهد السياسي التقليدي وعندما أقول من خارج المشهد أعني بذلك شخصية خبيرة بالشأن الأقتصادي العربي والدولي والمحلي معًا عندما نبحث ومع الأحترام والتقدير للعقل اليمني أقول ليس لدينا شخصية اقتصادية معجزة شبيهة بالرجل المعجزة  "مانموهان سينغ الذي جاءوا به من جامعة نيودلهي في عام 1991 لوزارة المالية لينقذ الأقتصاد الهندي الذي كان على بعد خطوات من الأنهيار بعد أن وصل أحتياطي البلاد من العملة الصعبة إلى أقل من مليار دولار والذي أصبح بعدها رئيسًا للوزراء  في الفترة الواقعة بين 2014- 2004 أو شخصية على غرار العبقري مهاتير محمد الذي حول ماليزيا من بلد يعتمد اقتصادها على الزراعة بنسبة كلية % إلى بلد يعتمد أقتصاده على الصناعة والتصنيع  بنسبة 90% وأصبح يشار إليها كأحد أقوى النمور الأسيوية ، وفي المقابل نفتقر إلى وجود إلى وجود قائد كبير مثل الرئيس الراوندي "بول كيجامي " الذي أخرج راوندا من بلد منقسم ومحترب قبليًا أستوطن في المخيلة العالمية وفي وسائل الإعلام  بأنه شهد أكثر المجازر وحروب الإبادة في التاريخ مليون وثلاثمائة الف قتيل خلال 100 يوم ، جاء الرجل ليخرج بلاده من وضع كارثي أصبحت فيه غير صالح للعيش حتى للحيوانات فأحدث المعجزة الأقتصادية   وصارت الدولة الأسرع نمواً في الأقتصاد على مستوى القارة راوندا التي لا تمتلك بحار كونها دولة حبيسة وبالتالي ليس لديها موانئ أستراتيجية مثل عدن والحديدة والصليف والمكلا وليس لديها 24 منجمًا من الذهب مناجم سطحية مقارنة مع المناجم الأخرى وفوق هذا وذاك ليس لديها مضيق مثل باب المندب ، رواندا التي  أطلقت في 2018 قمر أصطناعيًا كلفها (2 مليار ونصف ) دولار لدعم التعليم وفي 2020  تمكنت من إنهاء أخر حالة فقر في البلاد نحتاج إلى شخصية ذات بُعد وفكر اقتصادي تخرج اليمن من أزمته التاريخية وتعمل على قراءة تلك النماذج الناجحة وتمثلها والأستفادة منها وللوصول إلى تلك الشخصية  التي أعيد التأكيد أنها ينبغي ويتوجب أن تكون من خارج المشهد الرث فاليمنيون تعبوا من الحزبية لم يعودوا يبكون ويتمسحوا بالأضرحة باتوا منشغلين عنها بالبكاء على قبور من فقدوهم شعب مكلوم لم يعد يبحث عن الإيدولوجيا بات مشغولاً بالمعدة لوجيا ، وللوصول إلى اختيار شخصية تنقذ البلاد مما هي فيه ومن القادم الأسوأ لا بد من تهيئة الأجواء المناسبة أمامها   عبر خارطة طريق واقعية قابلة للتطبيق تتوافق عليها جميع الأطراف  أول الطريق تبدأ بخطوتين هامتين لا تنفصل أحدهما عن الأخرى الأولى هي التوافق على تأسيس صيغة لهيئة عليا تعمل على ترشيد قرارات الفرقاء قبل الإعلان النهائي لوقف الحرب في اليمن ويمكن تسميتها بمجلس للحكماء  يمكن لهكذا مجلس يتفق على أعضائه مختلف الفرقاء أن يسهم في وقف إنجرار البلاد نحو الهاوية أكثر ويعيد تطبيع الأوضاع إلى ماكانت عليه شريطة أن يجد الضمانات الدولية التي تضمن له صلاحيات كاملة وأن يكون المجلس  هناك شخصيات ورموز وطنية يمكن لها أن تضع اللبنات الأساسية ليمن الغد وأقترح أن يكون من ضمن المجلس الذي يتكون من 15  عضواً كلاً من رئيس كتلة المستقلين في البرلمان اليمني النائب علي عبدربه القاضي وعن رجال الأعمال كلاً من النائب الأستاذ عبدالواسع هائل سعيد أنعم والحاج يوسف عبدالودود سعيد ومن القيادات السياسية كلاً من الأستاذ يحيى حسين العرشي والأستاذ محمد سالم باسندوة ومن العلماء الشيخ الحبيب علي الجفري والشيخ عمر محمد بن حفيظ  والشيخ أسماعيل عبدالباري ومن المثقفين الأستاذ عبدالباري طاهر وخالد محمد الرويشان  يضاف على هذه الأسماء خمسة أسماء يتم اختيارهم من قوى الصراع في اليمن ..الخطوة الثانية هي أن يتفق  يتفق الفرقاء على ترك الحقائب الوزارية  لشخصيات  وطنية مستقلة تشرف على الدفاع والداخلية والمالية والنفط والإعلام والثقافة مع رئيس وزراء تكون لديه خلفية اقتصادية  وقدرة ودراية تامة بالمشهد الأقتصادي الدولي وبقوى الصراع الدولي وطموح الشركات العابرة للقارات التي تحكم العالم اليوم وبالطريقة التي يفكر بها قادة المحاور الأقتصادية في أوروبا الموحدة وفي دول البريكس وفي بلاد الفيل والتنين وتوجهات القرن الأمريكي الجديد يجيد التعامل بحرفية ومهارة عالية مع مدارس الأقتصاد المختلفة قارئ للكيفية التي تحدث فيها النقلات النوعية والتحولات من الأقتصاد الرعوي للأقتصاد الصناعي والخدماتي شخصية معروفة بالنزاهة والوطنية وهنا لا أجد أمامي من يمكن أن يكون سينغ آخر أو مهاتير محمد جديد في المنطقة أو كيجامي أخر سوى الأستاذ  شوقي أحمد هائل كنموذج وطني ، وحتى لا تتكرر معه مأساة الدكتور فرج سعيد بن غانم عليه أن يحصل على الضمانات الحقيقية وأن يضع شروطًا لتلك الضمانات شوقي أحمد هائل لم يكن مناطقيًا ذات يوم ولم يعرف عنه أي ميول مناطقية وهو بالتالي لن يقصي أو يهمش أي منطقة ولن ينحاز مذهبيًا وفوق هذا وذاك سيكون عنصر توازن بين الشمال والجنوب ، باقي المناصب يتم تقسيمها وفق محاصصات حزبية أو مناطقية لا يهم ، أعتقد أن الكثير من  المهتمين في الشأن اليمني ومن اليمنيين أنفسهم  يرون فيما تم تناوله طرح يمكن البناء عليه لإخراج اليمن من أزمته التاريخية