لم تمر حرب على هذه البلاد إلا ولمودية النصيب الأكبر منها، ولم يئن هذا الوطن إلا وقد سبق أنينه صراخ سُمِعَ من مودية، وما من جرح مس هذا الوطن إلا وقد مس مودية أضعافه، وما لعلع الرصاص في جنبات هذا الوطن إلا وقد تناثرت أشلاء من مودية بسبب تفجيرات جبانة لخفافيش الظلام.
ما من مأساة في هذا الوطن إلا ولمودية أوفر النصيب منها، فلا تجرحوها فإنها مجروحة، دعوها تعيش بسلام، فرجالها لا يسعون إلا للسلام، إنني هنا أحدثكم عن رجالها، لا عن خفافيشها، فليس لمودية ذنب في كل ما يجتاح الوطن، بل أنها هي البلسم لهذا الوطن، ومودية دائمًا وأبدًا تحمل مآسي هذا الوطن.
إن حدثتكم عن شهدائها لن أحصيهم عددًا، ولن أستطيع حصرهم، فمودية قدمت شيوخها وكبارها قبل صغارها، ولا صغير فيها، فكلهم كبار في هممهم وعزائمهم، ولن أستطيع عد شهداءها من مختلف قبائلها المتناثرة على بقعتها المترامية الأطراف، فإذا أردت حصرهم، وعدهم، فإنهم يحتاجون منا لكتاب لتتذكرهم الأجيال، وليكونوا عناوين تضحية لينعم الوطن بالأمن والاستقرار والعزة والشموخ.
مودية لا تجرحوها فإنها مجروحة، فأبطالها في مختلف الجبهات، وقد رووا بدمائهم الزكية تربة هذا الوطن من صعدة إلى كل شبر في هذا الوطن المثخن بالجراحات، فجرحها عميق، فكلما التأم جرح جددت الأحداث جراحها، فلا تجرحوها، فإنها مجروحة.
لو نادى المنادي فيها انبعثوا من كل مكان، فلا تدري أهم ينبتون من بين ذرات رمالها، أم أنهم مزروعون في كل مكان، ففي كل تبة تراهم، وتراهم يملأون الأودية، فلا تدري أهم جن أم بشر، ولا ينطبق عليهم إلا قول الشاعر الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانةً* وتخالنا جنًا إذا ما نغضب، فلا تغضبوهم، فهم بشر مسالمون، حلماء، حكماء، كرماء، ولكنهم إذا غضبوا كانوا كالجن لا تدري من أين يخرجون، ولا متى يضربون، لهذا اتركوا مودية تنعم بالسلام فهي مدينة السلام، وأبناؤها هم من سينظمون شأنها، فهم رجال دولة، فكيف تأتون لتعلمون الدولة لأهل الدولة؟
إن كان للنصر عنوان واحد فمودية أبرز كلمة فيه، وإن كان للسلام رجال فرجال مودية في الصدر، وإن سألت عن القادة والساسة، فهم أبرز القادة والساسة، وإن كانت هناك كشوفات للشهداء فكشفها أطول الكشوف، وإن كان للفقر خانات فخانة فقرائها أكبر الخانات، ولا يملكون من هذا الوطن إلا كرامتهم، فلا تمسوهم بسوء فإنه لو مس أحد كرامتهم بسوء، فسيتحولون في لحظة من مسالمين إلى أسود ضارية تبطش بمن تجرأ عليها كائن من كان، فمودية حزينة مجروحة فلا تجرحوها.