في الوقت الذي يعاني فيه معظم الشعب اليمني من غلاء الأسعار وانعدام الخدمات وتدهور المنظومة الأمنية وتجهيل الأجيال الصاعدة واستمرار للحروب العبثية ، لجأت الرئاسة اليمنية عبر مجلس القيادة الرئاسي إلى اصدار قرار غريب وعجيب يقضي بإعادة ما يقارب خمسين ألفا من العسكريين والأمنيين المسرحين منذ أكثــر من 30 سنة .
قد يرى الكثيرون أن هذا القرار صائب ومدروس وستستفيد منه الغالبية من ذوي الشأن ، وجميعنا ينظر إلى إيجابيات القرار من النواحي المعيشية بأنه سيخفف عن كاهل العسكريين والأمنيين الذين شملهم القرار ، بينما على أرض الواقع لن يغير هذا القرار شيئًا بل ربما تكون نتائجه سلبية في ظل الظروف المعيشية الصعبة والتحولات المتسارعة للعملية المصرفية بشكل يومي .
عندما أصدرت الرئاسة اليمنية قرارها الارتجالي - بحسب وجهة النظر الشخصية - والذي ظاهره رحمة وباطنه عذاب لوحظ في نفس اليوم أرتفاع مفاجئ وغير مسبوق خلال هذا العام لأسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني ، وهذه التغيرات أعطت دلالة واضحة بأن هذا القرار لن يغير شيئا ولن يحسن من الوضع المعيشي إطلاقاً ، لانه مهما ارتفعت الأجور ومهما زادت الوظائف والمرتبات فلن تجدي نفعاً مع التغيرات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والتي دون أدنى شك هي القشة التي قصمت ظهر المواطن وهي السبب في تدهور الأوضاع المعيشية له .
الشعب لا يريد إصلاحات وقرارات قد عفا عليها الزمن ، لقد فات الاوآن على هذه الإصلاحات وأصحابها عانوا أشد المعاناة بسبب التهميش والإقصاء المتعمد والممنهج وعاش الكل منذ تلك الفترة في نكد الحياة المعيشية وتعبها ومكابدتها ، فمنهم من من أصبح قعيد البيت ، ومنهم من وجد نفسه في عمل لايرتقي إلى مستواه ومكانته المهنية ، ومنهم من قد أصابه الجنون والزهايمر ، ومنهم أيضاً من قد قضى نحبه .
المواطن لا ينتظر قرارات مثل هذه إثمها أكبر من نفعها قد تُنفّذ على الواقع او قد تكون حبراً على ورق ، إن أبسط ما يحتاجه المواطن هي الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والأمن وأستقرار الصرف فمثل هذه الأمور تهم المواطن بدرجة أساسية ، فأين موقع هذه المطالب من القرارات والإصلاحات التي يتبناها مجلس القيادة الرئاسي ؟
لا ينتظر العسكري المسّرح من وظيفته عودة راتبه أو مضاعفته بمبلغ ضئيل جداً لا يلبي مطالب أسرته في ظل التخبط اليومي لأسعار الصرف والذي ينتج عنه غلاء في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية ، ولن يزيده هذا القرار إلا معاناة متواصلة ولن يجلب إلا المتاعب والهموم أكثر مما كانت عليه ، مهما كانت الوظائف ومهما كانت الأجور والمرتبات فلن تلبي طلب الأسرة ما دام الكيس الدقيق يشترى كل يوم بسعر مختلف عن السابق ، ولهذا لن تستطيع الرئاسة اليمنية دفع مليارات الريالات لصالح قرارها في حين عجزت عن انتطام رواتب منهم فوق العمل ولم تدفع لهم حقوقهم خلال أشهر الحرب ومابعدها .
لا نريد للرئاسة اليمنية أن ينطبق عليها المثل الشعبي ( تصيب الإبرة وتخطئ الحيد) ولن نقول إن قرارها الأخير سلبي ، نعم قد تكون نتائجه سلبية في معظم الأحوال ، ولكن مجمل القرار إيجابي وقد يعالج مشكلات أصحاب الشأن وهمومهم متى ما تحسنت الأوضاع المعيشية للبلاد ، لكن بالمقابل يجب على الرئاسة اليمنية ان تتمعن بكلتا عينيها وتحدق البصر في أهم المتطلبات التي تلامس هموم شعب بأكمله بات يعاني مرارة الحياة المعيشية وصعوبتها ، فهل ياترى سنشاهد قراراً تاريخياً يضمن للمواطن العيش بكرامة ويحقق مطالبه الأساسية البسيطة ؟؟