آخر تحديث :الجمعة-03 أبريل 2026-03:56ص

الطريق إلى صنعاء ... السيناريو الأقرب

الخميس - 12 ديسمبر 2024 - الساعة 10:28 م
محمد سالم مجور

بقلم: محمد سالم مجور
- ارشيف الكاتب


تتدوال مواقع التواصل الإجتماعي هذه الأيام اخبار وتحليلات كثيرة بخصوص الملف اليمني وخصوصاً بعد أحداث سوريا المتسارعة، ولتحليل المشهد بشكل أدق يتطلب الأمر أن نفهم التركيبة الإجتماعية لليمنيين وعلاقاتهم المحلية وكذا ربطها مع التحالفات والمصالح الدولية.

ومن خلال مقالنا هذا نحاول أن نطرح وجهة نظرنا وتحليلنا "الشخصي"لمجريات الأحداث وسنحاول أن نختصر ما استطعنا.


أولاً: تركيبة الحوثيين وعلاقتهم بالرئيس "صالح".

تأسس الحوثيين كجماعة "دينية" في محافظة صعدة اليمنية التي تتبع المذهب "الزيدي" وتنامت تلك الجماعة بعلاقات مضطربة مع النظام اليمني حتى بدأت حرب مع القوات الحكومية في يونيو 2004م واستمرت تلك الحرب المعروفة "بالحروب الستة" والتي سميت بهذا الإسم نسبة لفترات الاقتتال والتي كانت تتوقف فترة ثم تنهار الاتفاقات وتعود مرة أخرى حتى توقفت الحرب نهايئاً في فبراير 2010م بعد "الجولة السادسة" منها.

ولأن جماعة الحوثيين لديها من "الفطنة والمراوغة السياسية" الكثير شاركت في ثورة شباب التغيير التي تزعمها حزب الإصلاح اليمني ضد نظام الرئيس صالح في 2011م .

وعند تولي الرئيس عبدربه منصور هادي الحكم في فبراير 2012م وبحسب الإتفاق المنبثق عن مجلس التعاون الخليجي .

بعد تسلم هادي للحكم شرع في هيكلة قوات الجيش والحرس الجمهوري وقام بتغيير الكثير من القيادات العسكرية للرئيس السابق علي عبدالله صالح وقد أحدث ذلك أزمة بين هادي وصالح بعد وساطة الأخير ترتيب أوضاع أنصاره ولكن تلك المحاولة قوبلت بالرفض من هادي، ومن جهة أخرى تصاعدت وتيرة خلافات هادي مع الحوثيين، حيث يرى الحوثيين حينها أن هادي لا يقدم التنازلات والحلول "لأزمة صعدة" مما دفعهم لإطلاق ما أسموها "ثورة سبتمبر" لإسقاط حكم هادي وقد إنتهت ثورتهم تلك بالسيطرة على العاصمة صنعاء ودخلت البلاد في أزمة سياسية حينها.

لاحقاً وبعد سيطرتهم على صنعاء وفي 2014 تحالف الحوثيين مع علي عبدالله صالح وأنصاره من سياسيين وعسكريين وحرس جمهوري، ذلك التحالف الذي لم تتوقعه أغلب الأطراف السياسية في البلاد خصوصاً بعد سنوات طويلة من الحروب التي خلفت الكثير من القتلى من الطرفين وذلك التحالف يؤكد "السياسات المرنة والتسامح وتبادل الأدوار وتقاسم المصالح" و التي ينتهجها الإخوة في الشمال منذ زمن طويل وفي الحقيقة أعتبرها "دهاء سياسي".


الانقلاب الحوثي على اتفاق السلم والشراكة...وتبعاته ..!


في سبتمبر 2014م تم توقيع إتفاق السلم والشراكة بين جميع الأطراف السياسية وبإشراف دولي "لوضع حد للأزمة السياسية وتجنيب البلاد المزيد من الصراعات، وما لبث أن مرت أشهر قليلة وتم الانقلاب على ذلك الاتفاق وفي نوفمبر من نفس العام " تم إصدار قرار أممي بفرض عقوبات على الرئيس صالح ونجله وقيادات أخرى من الحوثيين .

وقد ظلَّ هادي قيد الإقامة الجبرية إلى أن تمكن من الفرار من منزله بصنعاء متجهاً إلى عدن في فبراير 2015، وأعلن منها (أن جميع القرارات التي اتخذت منذ 21 سبتمبر باطلة ولا شرعية لها).


عاصفة الحزم .. ومبادرة "الرئيس صالح" للمملكة العربية السعودية.


قبيل ساعات من إنطلاق عاصفة الحزم ، تناولت قناة العربية خبراً يفيد بوصول " أحمد علي عبدالله صالح" نجل الرئيس السابق إلى الرياض للقاء مسؤولين سعوديين، وأفادت القناة أن الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع "آنذاك" التقى بنجل الرئيس اليمني السابق والذي يأتي إلى المملكة حاملاً مبادرة سياسية من "صالح".


استعرض أحمد علي مع الأمير محمد بن سلمان ملفين أحدهما "مطالب" والآخر "تعهدات" ، احتوى الأول على عدة مطالب أهمها:

1-رفع العقوبات المفروضة على والده وعليه شخصياً من قبل مجلس الأمن الدولي، والتي شملت منعه من السفر، وتجميد أصوله المالية، ومنع الشركات الأميركية من التعامل معه.

2- تأكيد الحصانة عليه وعلى والده، التي اكتسبها من اتفاق المبادرة الخليجية القاضية بخروجه من السلطة.

3-وقف ما وصفها بالحملات الإعلامية التي تستهدفه ووالده.

عندها أغلق ملف الطلبات، ليفتح الملف الآخر "التعهدات" والذي جاء فيه نيابة عن والده:

1- في حالة تحقيق المطالب بعدة يتعهد بالانقلاب على التحالف مع الحوثي.

2-تحريك خمسة آلاف من قوات الأمن الخاصة الذين يوالون صالح لمقاتلة الحوثي.

3- دفع مئة ألف من الحرس الجمهوري لمحاربة ميليشيات الحوثي وطردهم.

ولكن تلك الملفات حينها قوبلت بالرفض من المملكة العربية السعودية وأكد الأمير بن سلمان أن المملكة تلتزم بالمبادرة الخليجية التي تم الإتفاق عليها من كل الأطياف اليمنية،وأكد ايضاً ضرورة أن تعود الحكومة الشرعية ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي لقيادة اليمن من العاصمة صنعاء.


فشل الشرعية والجيش الوطني في تحرير صنعاء .. بعد 10 سنوات من الحرب .


انطلقت عاصفة الحزم في مارس 2015م بهدف إعادة الشرعية اليمنية ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي وإنهاء المليشيات الانقلابية التي سيطرت على صنعاء ثم اجتاحت أغلب المحافظات في الشمال والمناطق الجنوبية أيضاً، والتي واجهت مقاومة شرسة من جميع أبناء الشعب لعدم القبول بذلك "الفكر الطائفي" في أوساط مجتمع سنّي "شافعي" تمخضت تلك المقاومة وبدعم من قيادة التحالف العربي عن جميع المناطق الجنوبية في يوليو 2015م ، وقد تصاعدت العمليات العسكرية خلال مراحل لاحقة وفي عدة مناطق في الشمال من خلال الطيران الحربي،توالت عدة أحداث لاحقاً مروراً بانقلاب الحوثيين على صالح والقضاء عليه، وفشل جيش الشرعية بقيادة المقدشي من إحراز أي تقدم ، إضافةً إلى خروج هادي من المشهد وتشكيل مجلس رئاسي جديد والكثير من الأحداث لايتسع المجال لذكرها ، وما تطرقنا له للدلاله على تعقيدات المشهد من حيث التحالفات والتناقضات وأسباب الصراعات.


متغيرات السياسة الدولية وتأثيراتها على الحوثيين.

كما أسلفنا فإن الحوثيين يجيدون فنون اللعب والمراوغة السياسية في الإطار المحلي ، وبالإضافة إلى ذلك فإن سياستهم الخارجي التي سلكوها من خلال تحالفهم مع إيران أوجدت لهم حماية دولية منعت قوات الشرعية من التقدم في بعض مناطق نفوذهم كما حدث في محافظة الحديدة 2019م عندما تم التدخل الدولي من خلال "إتفاق ستوكهولم " والذي تضمن إيقاف تقدم "القوات الشرعية" ممثلةً بالقوات المشتركة في الساحل الغربي و المكونة من ( العمالقة الجنوبية وحراس الجمهورية ) والتي كانت ستحرر الحديدة آنذاك .

من خلال مواكبة الحوثيين للمتغيرات الدولية وانتهازهم للفرص السياسية فقد انخرطوا في تحالفات جديدة مع "روسيا" والتي أرادت حلفاء جدد تفتح من خلالهم جبهات أخرى في الشرق الأوسط لتخفيف ضغط دول الغرب الداعمة لأوكرانيا،وتضمن ما قدمه الحوثيين لهم بداية ذلك التحالف هو ضرب منشآت تصدير النفط "لأمريكا والغرب" في 2022م من حضرموت وشبوة ،تلك الخطوة متزامنة مع ممارسة الروس لضغوطات وشروط جديدة على أوروبا "بشأن النفط والغاز" مع بداية شتاء2022م.

ومع تصارع الأقطاب الدولية "روسيا وحلفائها " وايضاً "أمريكا والغرب" تعززت تحالفات الحوثيين وقاموا بأدوار أكبر من خلال "عمليات البحر الأحمر " والتي من خلالها أصبحت "مصدر قلق كبير" للاقتصاد العالمي، وخلال الأشهر الأخيرة تسارعت الأحداث السياسية في المنطقة وشهدت الكواليس والغرف المغلقة الدولية المباحثات والصفقات، بالاضافة إلى فوز ترامب وتغيير السياسة الأمريكية وانعكاساتها على ملفات الصراع والتي ستؤدي إلى متغيرات كبيرة في ملفات الشرق الأوسط عموما ً.


الصفقات السياسية بين أقطاب الصراع العالمي ... وإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط..


إن الصراع بين الشرق والغرب تاريخياً يؤدي إلى استقرار الشرق الأوسط عندما تقوم النخب السياسية باستثمار تلك الصراعات لمصلحة بلدانها، ولكن ومنذ انهيار الإتحاد السوفيتي نهاية الثمانينات عاشت بلدان الشرق الأوسط في صراعات وهيمنة من أمريكا ودول الغرب،ولكن خلال السنوات القليلة الماضية عادت روسيا والصين إلى الواجهة وعاد مع "صراع المصالح".

وخلال السنوات الخمس الماضية لعبت المملكة العربية السعودية دوراً محورياً من خلال تعاملها مع المتغيرات السياسية وأطراف ذلك الصراع بمتسوى متوازن وعملت على بذل الجهود لقلب ذلك الصراع لمصلحة المملكة وجميع دول الشرق الأوسط، ومن خلال تلك السياسة الذكية جعلت أقطاب الصراع يسلكون مسار آخر "الجنوح إلى السلم وتقاسم المصالح" خصوصاً بعد فوز ترامب في الإنتخابات.

ومن ضمن تلك الصفقات التي شهدتها كواليس الغرف المغلقة:

1- دعم التيار المدني في الوصول إلى حكم إيران ثم يعمل على تغيير سياسة إيران الخارجية والتي تتضمن تخليها عن أذرعها في الدول العربية وتنفتح على العالم "كدولة مسالمة".

2- فرض المملكة العربية السعودية "حل الدولتين فلسطين وإسرائيل" وحشد المجتمع الدولي لذلك .

3- تخلي روسيا عن بشار الأسد ورفع يدها عن سوريا كبادرة "حسن نية" ثم يتبعها تخليها عن الحوثيين مقابل تخلي أمريكا والغرب عن أوكرانيا.



متى وكيف سيتم تنفيذ بنود الصفقة الأخيرة.....؟


الصفقة التي عقدها الرئيس بوتين كانت مع الرئيس ترامب ، ولكن نظام بايدن لم تعجبه تلك الاتفاقات وأراد قبل خروجة من البيت الأبيض أن يجر المنطقة والعالم إلى صراع لاينتهي من خلال الدفع بالاوكرانيين لضرب العمق الروسي وفي نفس التوقيت يدفع بالأطراف اليمنية لتحرير الحديدة ، ولكن فشل مخطط بايدن ذلك فعندما ضربت أوكرانيا روسيا في منتصف نوفمبر الماضي أعلن الرئيس بوتين عن تعديل العقيدة النووية التي تضمنت" أن اي دولة متحالفة مع دولة نووية تقوم بضرب روسيا بصواريخ إستراتيجية، فإن لروسيا الحق بالرد النووي ) اضافة إلى ذلك وفي 19 نوفمبر التقى القائم بأعمال السفير الروسي باليمن مع رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم إتفاق الحديدة "لضمان بقاء الاتفاق قائماً"،تلك الخطوات أفشلت مخطط نظام الرئيس بايدن ومؤخراً نفذت روسيا تخليها عن الأسد.


ظهور أحمد علي عبدالله صالح....ودوره القادم..!


منذ رفع العقوبات الأممية عن الرئيس علي عبدالله صالح ونجله أحمد علي عبدالله صالح، فإن الأخير والذي مازال يشغل "نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام "بصنعاء انتهج خطاب سياسي وطني (متوازن) ولم يهدد او يتوعد الحوثيين ، بل يستغل المناسبات الوطنية ويدعو دائماً للسلام بين الأطراف اليمنية المتصارعة، ذلك الخطاب المتوازن وجد دعم وتأييد دولي خصوصاً وأنه يلبي متطلبات المرحلة ويتوافق مع التوجهات الدولية الأخيرة والرامية إلى إنهاء الصراع في اليمن واستخدام الطرق السلمية إلى أبعد الحدود، بالإضافة الى أن لأحمد علي حاضنة شعبية في الشمال سواء من خلال "حزب المؤتمر" أو "ولاءات قيادات وضباط الحرس الجمهوري"

حيث أن هناك مصادر إعلامية توكد أنهم غير راضين عن حكم الحوثيين وأنهم يتعرضون للضغوطات والرقابة المشددة منذ مقتل الرئيس علي عبدالله صالح .

في 20 نوفمبر الماضي التقى أحمد علي عبدالله صالح بالمبعوث الروسي إلى الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا وبحثا معاً الوضع العسكري والسياسي والإنساني،وشدد المبعوث الروسي على أهمية تعزيز الجهود لإقامة حوار وطني دائم بين اليمنيين، وأكد أيضاً على ضرورة التخفيف من حدة التوتر في المنطقة في أقرب وقت ومنع إنتشار المواجهات المسلحة.

ويوم امس وصل أحمد علي إلى القاهرة للقاء بالشخصيات السياسية والعسكرية اليمنية في جمهورية مصر العربية.

من خلال ما تطرقنا له فإن ملامح سيناريو الطريق إلى صنعاء تكاد تكون واضحة خصوصاً وأن الحكمة والمرونة السياسة حاضرة بين إخواننا في الشمال وما سيتم بشأن صنعاء التالي:

1- خروج قيادات حوثية "متشددة " ومن الصف الأول وقد حددتهم أمريكا بحسب وسائل إعلام.

2- احتواء القيادات الأخرى "غير المؤدلجة" وانقلاب ناعم للحرس الجمهوري يغير مشاهد اللعبة وفي مشهد دراماتيكي سريع مثل ما حدث في سوريا.


أنتهى.....