آخر تحديث :الأربعاء-08 أبريل 2026-08:03م

الانتقالي واللعبة الخطرة.. متى تتوقف استراتيجية "اللايقين"؟

الثلاثاء - 25 فبراير 2025 - الساعة 08:18 ص
فارس العزيبي

بقلم: فارس العزيبي
- ارشيف الكاتب



على وقع التحديات الإقليمية المتصاعدة، يجد المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه في مفترق طرق حاسم. ولتحقيق تطلعات شعب الجنوب نحو استعادة دولته، اعتمد المجلس استراتيجية تجمع بين المناورة السياسية وإدارة الغموض في تعامله مع "الشرعية" اليمنية المعترف بها دوليًا.

قد يرى البعض في هذا النهج التكتيكي حكمة وبعد نظر، كونه يتيح للمجلس مرونة في الحركة وتجنبًا للانجرار إلى مواجهات مبكرة. إلا أن هذا "الغموض المحسوب" يحمل في طياته مخاطر جمة، تتجاوز المكاسب التكتيكية الآنية، وتهدد مستقبل القضية الجنوبية برمتها.


إن التمعن في تفاصيل هذه الاستراتيجية وتداعياتها على المدى الطويل، يثير قلقًا مشروعًا لدى أبناء الجنوب، ويستدعي وقفة نقدية جادة.


فالمجلس الانتقالي، وهو يمثل طموحات شعب الجنوب في استعادة دولته، يكرر خطاباته حول "فك الارتباط" مع "الشرعية" دون أن يترجم هذه التصريحات إلى خطوات عملية ملموسة. هذا التردد، الذي يُفسر غالبًا على أنه إدارة للغموض السياسي، يهدف كما يبدو إلى جس نبض الداخل والخارج، ومراقبة ردود الفعل، وربما الحصول على تنازلات. لكن هل هذه "اللايقينية" السياسية تخدم حقًا قضية الجنوب، أم أنها تستنزف صبر شعب الجنوب وتُطيل أمد المعاناة؟


يظهر هذا الغموض جليًا في خطاب المجلس المتذبذب بشأن مستقبل الجنوب، فتارة يلوح بالحكم الذاتي ضمن دولة اتحادية، وتارة أخرى يرفع سقف المطالب إلى الاستقلال التام واستعادة الدولة الجنوبية، دون تقديم رؤية واضحة وموحدة.


صحيح أن الغموض قد يمنح المجلس مرونة في التحالفات، ويجعله عصيًا على التنبؤ، لكنه في المقابل يحول القضية الجنوبية إلى ساحة للانتظار المجهول، حيث تتأجل القرارات المصيرية إلى أجل غير مسمى.


قد يبرر البعض هذه الاستراتيجية برغبة المجلس في تعزيز موقفه التفاوضي، أو إدارة التوقعات الداخلية المتباينة، أو اختبار النوايا الإقليمية والدولية. لكن هل هذه المبررات تصمد أمام التكاليف الباهظة لهذا الغموض المستمر، وخاصة بعد مرور قرابة ثلاث سنوات على الشراكة دون تحقيق تقدم ملموس؟


إن ثمن هذا الغموض يتجاوز مجرد تعطيل الحلول السياسية، فهو يُحدث شللاً تدريجيًا في الموقف الجنوبي، ويسمح للقوى المتربصة باستغلال هذا التردد لتعزيز نفوذها، وتشويه صورة المجلس الانتقالي كقوة غير قادرة على حسم الأمور. وكما أكد الدكتور ناصر الخبجي، الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي، فإن هذا الشلل المؤسسي بلغ حدًا غير مقبول، حيث وصف المجلس الرئاسي بـ "انه مش فاعل وانه عاجز وفاشل في نفس الوقت. يعني لم يستطيح ان يحقق شيء". كما أن هذا الغموض يُكلف الجنوب فرصًا ثمينة قد لا تُعوَّض، فرصًا للتحرك الإيجابي، ولحشد الدعم الإقليمي والدولي، ولتحقيق اختراقات حقيقية على الأرض.


من المهم هنا أن نتذكر أن هذه "الشراكة" التي ينتقدها قادة المجلس الانتقالي، قد مضى عليها قرابة ثلاث سنوات منذ تشكيل المجلس الرئاسي في أبريل 2022 في الرياض، والذي جاء كنتيجة لمشاورات يمنية-يمنية برعاية إقليمية ودولية. خلال هذه المدة الزمنية الطويلة نسبيًا، كان يفترض أن تتضح نوايا الأطراف المختلفة، وأن يتم إحراز تقدم ملموس على صعيد تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتنفيذ بنود اتفاق الرياض، ومعالجة الأزمات المتراكمة. إلا أنه، وبعد مرور هذه السنوات الثلاث، لا يزال المجلس الانتقالي يكرر نفس الخطاب، ويطالب الأطراف الأخرى بـ"إصلاح الأوضاع" أو "فض الشراكة"، في تكرار لنفس السيناريو الذي يعتمد على التلويح بالغموض والتهديد بالانسحاب.


هذا الاستمرار في نفس النهج، على الرغم من مرور وقت كافٍ لإظهار النوايا الحقيقية وتقييم جدوى الشراكة، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التهديدات بإنهاء الشراكة تعكس بالفعل نية جادة بالتغيير الاستراتيجي، أم أنها مجرد تكتيك متكرر لجس النبض وقياس ردود الأفعال، دون وجود خطة بديلة واضحة أو استعداد فعلي للمضي قدمًا في مسار مختلف.


والأخطر من ذلك، أن هذه الضبابية تقوض المكاسب الجنوبية، وتهدر فرصًا تاريخية لترسيخ الحقوق السياسية لشعب الجنوب في ظل الصراعات الإقليمية والدولية المتسارعة. ففي المحافل الدولية، قد يُقرأ هذا الغموض كضعف في الموقف التفاوضي، مما يعرض القضية الجنوبية لشروط مجحفة أو حتى للتهميش.


أما على المستوى الداخلي، فإن استمرار التردد يغذي الانقسامات بين أبناء الجنوب، بين من يرى ضرورة الحسم والمواجهة، وبين من يفضل الحوار والتسوية، مما يضعف الصف الجنوبي الموحد، ويعيق عملية صنع القرار. ولا يمكن إغفال التداعيات الإنسانية لهذا الجمود السياسي، فالوضع الاقتصادي والمعيشي في الجنوب يتدهور باستمرار، ومعاناة الناس تتفاقم يومًا بعد يوم، كما وصفها الدكتور عبد الناصر الوالي بأسى: "عدن والجنوب يعانون ويئنون لا من ويلات الحرب... ولكن من الخذلان ممن كنا نتمنى ان يكون معنا فاذا به يريد ان يمتطي على نصرنا ويحتجزنا رهائن...".


قد يرى المجلس الانتقالي في استراتيجية الغموض ملاذًا آمنًا لتجنب الصدام المباشر، لكن طول أمد هذه الاستراتيجية ينذر بعواقب وخيمة. فالجمود السياسي يقوض الثقة بين الأطراف، ويقلل من اهتمام المجتمع الدولي بالدور المحوري للمجلس كفاعل أساسي في أي تسوية سياسية مستقبلية. والأخطر من ذلك، أن التراكم السلبي لهذا النهج قد يحول موازين القوى لصالح الخصوم، الذين يستغلون الوقت لتحقيق مكاسب استراتيجية يصعب تداركها لاحقًا. فالتاريخ حافل بأمثلة تؤكد أن التردد في اللحظات الحاسمة غالبًا ما يؤدي إلى ضياع الفرص، وتحول المكاسب التكتيكية المؤقتة إلى خسائر استراتيجية طويلة الأمد.


في هذا المنعطف الدقيق، يبدو أن تجاوز حالة الترقب والجمود، يستلزم مراجعة شاملة لاستراتيجية المجلس الانتقالي. فلم يعد مقبولًا الاكتفاء بمكاسب تكتيكية آنية، بل بات من الضروري تبني خطاب سياسي أكثر وضوحًا وشفافية، يحدد الأولويات بجرأة، ويعزز التحالفات الداخلية والخارجية على أسس متينة، ويترجم الشعارات إلى خطوات عملية تخدم مصالح الجنوب وقضيته العادلة. فالمرحلة القادمة تتطلب رؤية استراتيجية واضحة المعالم، قادرة على التعامل بحسم مع التعقيدات السياسية، دون التضحية بالاستقرار والمصالح العليا لشعب الجنوب. في عالم لا يرحم المترددين، الوضوح الاستراتيجي هو السبيل الوحيد لإنقاذ القضية الجنوبية من فخ الغموض القاتل.


#فارس_العزيبي