رغم سنوات الحرب الطويلة، والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب، ورغم المعاناة التي فاقت في قسوتها أهوال الحرب ذاتها، إلا أن هذا الوطن الجريح لم يُنجب حتى الآن قائدًا وطنيًا حقيقيًا يؤمن بسيادة الدولة ويضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. ظل الوطن مسلوب الإرادة، مقيد القرار، تُنهب خيراته وتُستباح كرامته، بينما يتسابق من في السلطة على تقاسم الكعكة، متناسين أن ما ينهبونه هو حق الشعب في الحياة والكرامة.
منذ اندلاع الحرب وحتى اللحظة، توالت على السلطة شخصيات مختلفة، لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا كان واحدًا: المتاجرة بآلام الوطن والمواطن. لم يكن بينهم من يمتلك الجرأة ليضع مصلحة الوطن أولًا، أو من يملك الرؤية الوطنية لاستنهاض مقدرات البلاد وتحويلها إلى قوة حقيقية تدفع بها نحو الاستقرار والنهوض.
يملك الوطن من الثروات والموارد الطبيعية ما يؤهله ليكون في مصاف الدول الغنية والمزدهرة، وتتوفر فيه الطاقات البشرية القادرة على البناء والإبداع، لكن هذه المقدرات بُعثرت، وسُرقت، وضاعت بين أطماع المتصارعين على السلطة. لم تُستثمر لخدمة المواطن، بل حُوّلت إلى أدوات لتثبيت النفوذ وشراء الولاءات، في ظل غياب تام لأي مشروع وطني جامع
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في الحرب، بل في غياب القيادة الوطنية الصادقة التي تضع نصب عينيها مستقبل البلاد، وليس مستقبلها الشخصي أو مصلحة جماعتها. لم يظهر بين المسؤولين من يقول بوضوح كفى عبثًا بالوطن، كفى استهتارًا بدماء الشهداء، كفى مصادرة لحقوق المواطن
اليوم، بات من الضروري أن يُسمع صوت الشعب، وأن يُعاد الاعتبار لفكرة الدولة، لدستور يحفظ الحقوق، لقانون يحكم الجميع، ولقيادة تخرج من رحم المعاناة، تؤمن بأن سيادة الوطن وكرامة المواطن خط أحمر، لا يجوز تجاوزه من أجل أي صفقة سياسية أو منفعة شخصية.
قد تكون الحرب أنهكت الجسد، لكن ما أوهن الروح هو هذا التواطؤ المستمر على الأمل، وهذه التجارة الرخيصة بآلام الناس. والآن، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الوطن إلى من يُعيد إليه صوته، إلى من ينهض به من تحت الركام، ويقول: "الوطن لنا جميعًا، ولن نسمح بسرقته بعد الآن".