في وقت تتآكل فيه الطبقة الوسطى ويزداد فيه الفقراء فقرًا، يعيش بعض المسؤولين في رغد العيش وكأنهم في عالم موازٍ لا يمتّ بصلة إلى واقع الشعب. المفارقة المؤلمة أن من أوكلت إليهم مهام القيادة والرعاية أصبحوا خصومًا لشعوبهم، لا نصيرًا لهم
كيف يمكن لحاكم، أو لرئيس حكومة، أن يتوعد المعلم الذي يضرب عن العمل لأنه لم يعد يملك ما يسدّ رمق أسرته؟ أليس من الأجدر به أن يخجل من نفسه، بدل أن يهدد أولئك الذين صمدوا سنوات في خدمة الوطن؟ راتب المعلم لم يعد يكفي لأسبوع واحد من احتياجات أسرته، بينما يُنفق على موكب مسؤول حكومي أكثر مما يُصرف على عشرات الأسر شهريًا
تصل رواتب بعض المسؤولين، دون مبالغة، إلى ما يعادل مئات رواتب المعلمين، عدا الامتيازات الأخرى من مخصصات السفر والتنقلات والمواكب والرفاهية المفرطة. فهل يُعقل أن يعيش المسؤول في عالم من البذخ، بينما موظف الدولة – المعلم، الطبيب، العامل، الجندي – لا يجد ما يسد به حاجته اليومية؟ هل هذه عدالة أم صورة سافرة من الظلم المنظم؟
عندما يفقد الإنسان المسؤول إنسانيته، ويتعامل مع المواطنين كأرقام بلا أرواح، يصبح من الطبيعي أن تُهدر الحقوق، وتُكتم الأصوات، ويُحارب من يطالب بلقمة العيش. إنها مفارقة مؤلمة أن يُحاسب المعلم لأنه يُطالب بحقه، بينما لا يُسأل المسؤول عن راتبه الضخم ولا عن امتيازاته، ولا عن خيانته لأمانة المنصب
حين ترى شعبًا يعاني، ويتقشف ويكافح من أجل البقاء، بينما يعيش حكامه وأسرهم وأحزابهم في ترفٍ مفرط، فاعلم أن المعادلة مقلوبة، وأن الموازين قد اختلت، وأن من في السلطة لا يمثلون إرادة الشعب بل يخدمون مصالحهم الضيقة. هؤلاء لا يستحقون الكراسي التي يجلسون عليها، ولا الثقة التي مُنحت لهم
التاريخ يعلمنا أن الظلم وإن طال، لا يستمر. وإن صمت الشعب اليوم، فغدًا لن يسكت. لا توجد شرعية حقيقية لحكم يرفض الاستماع لمعلميه، ويكمم أفواه المظلومين، ويعيش في عزلة عن معاناة الناس. إن من يخون المسؤولية، ويصر على البقاء في السلطة رغم فشله، لا يستحق سوى المحاسبة والرحيل