آخر تحديث :السبت-30 أغسطس 2025-01:07ص

بين نهوض سوريا وانهيار اليمن: مفارقة الألم والتجاهل

الخميس - 05 يونيو 2025 - الساعة 08:31 ص
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


في زمن تختلط فيه المصالح بالدماء، ويصير الألم الإنساني ورقة تفاوض على طاولة اللاعبين الدوليين، تتجلى مفارقة صارخة في واقعنا العربي: سوريا التي عصفت بها حرب شعواء لعقد من الزمان، تنهض اليوم بدعم دولي وإقليمي غير مسبوق، بينما اليمن، الذي لا يقلّ جرحه عمقًا، يغرق في مستنقع التجاهل، كأن شعبه لا يستحق الحياة.


سوريا تنهض... لكن بأي ثمن؟


منذ سقوط قبضة نظام البعث الأسدي عن مناطق واسعة من سوريا، تدفقت مبادرات الإعمار، وعادت بعثات دبلوماسية، وبدأت مساعي إعادة تأهيل النظام تدريجيًا، لا سيما في بعض الأروقة الدولية والعربية. المثير أن هذا الاهتمام جاء متسارعًا، وكأنه سباق لإعادة ترتيب الخراب، لا بدافع إنساني محض، بل لأسباب تتعلق بتوازنات إقليمية وتحالفات جديدة تشكل خارطة النفوذ في الشرق الأوسط.


القوى ذاتها التي تتبنى اليوم استنهاض سوريا، وبعضها كان له يد في دمارها، هي نفسها التي تذبح اليمن من الوريد إلى الوريد، إما بالتدخل العسكري أو بالصمت العاجز أو المتواطئ.


اليمن... نزيف مستمر دون ضوء في الأفق


أكثر من عشر سنوات واليمن يئن تحت وطأة حرب طاحنة، شلّت مفاصل الدولة، وسحقت الاقتصاد، وأغرقت المواطن في ثلاثية الجوع والمرض والفقر. الأمم المتحدة تصرخ، والمنظمات الإنسانية تحذر، والأرقام تفضح حجم الكارثة: ملايين يعانون انعدام الأمن الغذائي، انهيار كامل للخدمات الأساسية، وتدمير للبنية التحتية، مع تفشي الأوبئة، واتساع رقعة الفقر، وتدهور العملة إلى مستويات غير مسبوقة.


لكن لا أحد يصغي. لا خطط إعمار، ولا مبادرات جادة، ولا حتى توافق إقليمي يمكن البناء عليه لإنقاذ هذا الوطن المنكوب. بل على العكس، تقفز المصالح فوق الجراح، وتتجاهل الضمائر صوت الشعب الذي يموت كل يوم في صمت قاتل.


ازدواجية المعايير... أم لعبة النفوذ؟


السؤال الذي لا بد من طرحه: لماذا هذا الفارق في التعاطي؟ لماذا تنهض سوريا بينما يُترك اليمن على شفير الهاوية؟ الإجابة تكمن ربما في شبكة المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية التي تتعامل مع الأزمات الإنسانية بانتقائية فجة.


في سوريا، تعود الدول لحماية مواقعها، واستباق النفوذ الإيراني أو الروسي أو التركي، بينما في اليمن، ما زالت قوى الصراع الإقليمي تستخدمه ساحة لتصفية الحسابات، دون أدنى اعتبار لحياة شعبه.


أين الضمير العربي؟


أمام هذا المشهد القاتم، لا يكفي الاستنكار، ولا الدعوات العاطفية. ما يحتاجه اليمن ليس فقط الدعم المادي، بل الاعتراف أولًا بأنه وطن يستحق الحياة. يحتاج خطة إنقاذ متكاملة، تبدأ بوقف الحرب، وتمر عبر حوار يمني-يمني صادق، وتنتهي بمشروع إعمار حقيقي، يُبنى على أساس العدالة والمشاركة والكرامة.


الصمت على ما يحدث في اليمن هو شراكة ضمنية في الجريمة. والرهان على الوقت لن يثمر إلا مزيدًا من الموت.


في النهاية...


إن كانت سوريا قد بدأت تخطو نحو التعافي، فإن اليمن يوشك أن يتلاشى من على خارطة الدول القادرة على النهوض إن تُرك وحيدًا. فلا تسمحوا لهذا الوطن العريق أن يموت ببطء تحت أنقاض التجاهل العربي والدولي. لأن موت اليمن، هو نذير بانهيار الضمير الإنساني في منطقتنا... إلى الأبد.