آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-09:43م

كلمة حق لأجل عدن وأمنها

الأحد - 29 يونيو 2025 - الساعة 12:01 م
أوس الأحمدي

تابعت باهتمام كلمة مدير أمن عدن، كما تابعها كثيرون ممن يحرصون على أمن هذه المدينة الحبيبة وسلامة أهلها. إن الأمن ليس مجرد حالة مؤقتة، بل هو أساس الاستقرار والحياة الكريمة، ولا يشعر بقيمته الحقيقية إلا من عايش الفوضى وفقدان الطمأنينة.

ندرك تمامًا أن عدن لا تزال تعاني من قصور واضح، والواقع الأمني والخدمي غير مرضٍ، وهذا يعود لأسباب عديدة، في مقدمتها ضعف التأهيل الأمني، وقصور في الكادر القيادي، إضافة إلى شح الموارد المادية والدعم المعنوي.

لقد عشنا الحرب بكل قسوتها، لكن ما كان أشد منها هو ما تلاها من معاناة في محاولة إعادة الحياة إلى طبيعتها. في تلك المرحلة، كانت رؤية جندي بلباسه العسكري في نقطة أمنية كافية لتبث الطمأنينة في قلوب الناس. ثم توالت السنوات، وجاءت الدولة بما استطاعت أن تأتي به رغم تعدد الصراعات الداخلية والتدخلات الإقليمية، ورغم أن كل طرف بات يستخدم أدواته لإضعاف الآخر.

وبرغم ضعف الكفاءة في بعض جوانب العمل الأمني، إلا أن الفارق بين وضع عدن خلال الحرب وبعدها كبير وملموس. اليوم، هناك تحسن أمني لا يمكن إنكاره، حتى إن بقيت بعض المنغصات التي تحتاج إلى علاج ومتابعة.

ومن باب الإنصاف، لا يصح أن نُسقط المنظومة الأمنية بالكامل، أو نشوهها بدون أدلة واضحة. نعم، هناك أخطاء ومظالم، لكن الحل ليس في شيطنة الجهاز الأمني، بل في دعمه وإصلاحه، وفي الوقت ذاته فتح باب النقد البناء ومحاسبة من يخطئ ضمن إطار القانون.

نرفض تكميم الأفواه وتغييب القضاء، ونؤمن بأن حرية النقد لا تعني التحريض ولا نشر الكراهية، بل تعني المشاركة في البناء بوعي ومسؤولية.

لقد عبّر مدير الأمن في كلمته عن معاناة حقيقية، وعلى كل من يحب عدن أن يقرأ تلك الرسالة بتمعّن، ويقف موقف الداعم للموجود، لا موقف الهدام لما بقي. فحتى في ظل غياب الدولة بمفهومها الكامل، لا بد أن نشكر الله على ما تحقق: حركة الناس، استمرار النشاط اليومي، وجود جهاز أمني – وإن كان ناقصًا – لكنه يعمل ويسعى لحماية المدينة من الانفلات.

في ظل هذا الواقع المعيشي والخدمي المتردي، فإن مجرد وجود حدٍّ أدنى من الأمن نعمة عظيمة لا يدركها إلا من عاش الخوف والفوضى.

ندعو الجميع – من أحزاب ونشطاء وتحالفات – إلى أن يتقوا الله في عدن وأهلها، وأن يتجنبوا الصراعات التي لا تزيد إلا من معاناة المواطنين. إننا ندرك أن غياب الاستقرار السياسي في أي بلد ينعكس على كل مفاصل الحياة، لكن مسؤوليتنا اليوم أن نخفف الألم، لا أن نزيده، وأن نُسهم في تجنيب عدن مزيدًا من الفوضى والخراب.

عدن لا تستحق أن تُستخدم كساحة للصراعات، بل تستحق أن تكون نموذجًا للحياة، والأمل، والعودة إلى الاستقرار. وحتى يتضح مستقبل اليمن شماله وجنوبه وفق توافق سياسي وشراكة وطنية حقيقية، فلنحفظ ما تبقى، ولنحافظ على ما تحقق، فالحفاظ على الموجود هو أول طريق الوصول إلى الأفضل.

هذه الكلمات خرجت من قلب مواطن يحب عدن ويعشق ترابها، وينتمي بصدق لأهلها في الجنوب، ويفتخر بانتمائه لليمن. ليست وراءها أي أجندة أو إنتماء حزبي أو سياسي أو مناطقي، بل هي موقف نابع من الإحساس الصادق، وشعور عفوي عبّر عنه القلب قبل القلم، بكل صدق وتجرد.

د. أوس الأحمدي .