في بلد يئن تحت وطأة الفقر، ويكابد شعبه من أجل الحصول على الحد الأدنى من مقومات الحياة، لا تزال الجبايات غير القانونية تطحن ما تبقى من كرامة المواطن ولقمة عيشه، لتتحول إلى أداة قهر جديدة تُضاف إلى قائمة طويلة من المآسي اليومية
عشر سنوات من الجبايات... كفاكم!.. لقد مضى أكثر من عقد، عشر سنوات وشهور، وعصابات الجبايات – تحت مسميات وواجهات مختلفة – تواصل ابتلاع أقوات الناس، وكأن ما جُمع خلال هذه السنوات لم يشبع بطون الفساد ولم يملأ خزائن النهب، بل زاد من شهوتهم المفتوحة على حساب وطن يتهاوى، ومواطن يختنق.
لم نسمع يوماً صوت مسؤول وطني صادق خرج على الناس ليقول: "كفى... أوقفوا هذا العبث، أوقفوا هذا التعذيب بحق الشعب". لم نسمع من يصرخ من قلوب الشرفاء – إن تبقى منهم أحد في صدارة القرار – لينتصر لهذا الشعب الذي قُهرت إرادته وكُسرت كرامته
الجبايات... الجذر الخفي للأزمة الاقتصادية
ما لا يريد أن يعترف به القائمون على الحكم أن الجبايات غير القانونية كانت ولا تزال سببًا مباشرًا في رفع أسعار المواد الأساسية. لقد ارتفعت أسعار الغذاء من خضار وفواكه وأسماك ولحوم بنسبة تتراوح بين 30% إلى 60%، بينما قفزت أسعار الغاز والوقود بأكثر من 100%. ومع ذلك، لا أحد يسأل: لمن تذهب هذه الأموال؟ من المستفيد الحقيقي من هذا النزيف اليومي لجيوب البسطاء؟
إنها لا تدخل خزائن الدولة، ولا تُصرف في تحسين الخدمات أو دعم التعليم أو الصحة. إنها تُصبّ في حسابات متنفذين حولوا الوظيفة العامة إلى شركة خاصة، همها الوحيد تحقيق أكبر قدر من المكاسب
أين الضمير؟ وأين الدولة؟
نناشد المجلس الرئاسي ومجلس الوزراء، بل نناشد كل من تبقى لديه ذرة ضمير، أن يوقفوا هذا العبث الممنهج. فما يجري من انهيار في جميع مناحي الحياة ليس قضاءً وقدرًا، بل بفعل فاعل. والفاعل معروف، وتواطؤ الصامتين عليه لا يقل جرمًا عن فعله
أين الشرفاء؟ أين القادة الذين من المفترض أن يكونوا عونًا للمواطن لا عبئًا إضافيًا عليه؟ هل باتت المناصب مجرد وسيلة لبناء الثروات وتأمين مستقبل الأبناء والأحفاد على حساب وطن يحتضر؟ متى يصبح الإنسان أهم من المال؟ ومتى يعلو صوت الضمير على همسات الأطماع؟
لقد فُقدت الخدمات، وانهارت الصحة، وتآكل التعليم، وتضخمت الأسعار حتى صار راتب الموظف لا يكفي لشراء أسطوانة غاز، ناهيك عن الغذاء أو العلاج أو أجرة المواصلات. وتهاوت العملة الوطنية بلا رحمة، وكل ذلك يحدث والمواطن وحده من يدفع الثمن
المطلوب اليوم موقف وطني شجاع، لا يخشى الحساب، ولا يساوم على كرامة المواطن، ولا يصمت أمام العبث. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى. إما أن تقفوا مع الوطن، أو فلتتركوه ليرتبه أبناؤه من جديد، بعيدًا عن مصالحكم وشهواتكم
كفى عبثًا... وكفى نهبًا... وكفى صمتًا