آخر تحديث :السبت-30 أغسطس 2025-01:07ص

ما تبقّى لدى المواطن..

السبت - 19 يوليو 2025 - الساعة 10:22 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


حين يصبح الصبر هو السلعة الأخيرة

عدنان زين خواجه


في الدول الطبيعية، تُقاس قيمة المواطن بقدر ما توفر له الدولة من أمن، معيشة كريمة، وخدمات تحفظ له إنسانيته

لكن في مناطقنا "المحررة"، يبدو أن المعادلة انعكست تمامًا؛ فبدل أن تخدم الدولة شعبها، أصبح الشعب مطالبًا بخدمة دولة بلا ملامح، والدفع من عمره وجيبه وصبره ثمناً لفشلها المزمن

المواطن في زمن الانهيار

كل شيء ينهار العملة، المؤسسات، الأخلاق الإدارية، وحتى الأمن

الريال يتهاوى كصاروخ فرط صوتي — لا صوت له، لكنه يترك دمارًا شاملًا خلفه. ما تشتريه اليوم بـ10 آلاف، قد تحتاج لشرائه غدًا بـ15. وهكذا، دخل المواطن في حلقة جهنمية، لا بداية لها ولا نهاية

راتب لا يزيد، وأسعار لا تهدأ، وأبسط الاحتياجات اليومية أصبحت ترفًا، بل حلمًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم

الغاز يُهرَّب... والمواطن يُعاقب

في الأيام الأخيرة، تَكشّف مشهد بالغ الرمزية: الغاز المنزلي يُهرَّب عبر البحر والجبال، يُهرب كما لو كان مخدرات أو سلاحًا، لا سلعة حياتية يحتاجها الناس يوميًا لطهي الطعام

تخيل ذلك! الغاز الذي يُفترض أن يُسلَّم عبر شبكة توزيع وطنية عادلة، يُهرَّب ويُباع في السوق السوداء، بينما المواطن في عدن ولحج وأبين يبحث عن أسطوانة غاز وكأنها كنز نادر

من المسؤول؟ أين هي الدولة؟

لا أحد يجيب

كل الأطراف السياسية منشغلة بتقاسم النفوذ، وكأن حياة الناس ليست ضمن اختصاصها

وفي غياب المساءلة، يتحوّل الجشع إلى منظومة، ويتحوّل الفساد إلى عرف، ويتحوّل المواطن إلى وقود لهذه المعادلة الكارثية

خدمات تحت الصفر

الكهرباء؟ بالكاد تزورك ساعة أو اثنتين في اليوم، على وقع حرارة الصيف ولهيب الأسعار

الماء؟ متقطع، ملوث، أو باهظ الثمن، وكأنك تشتري سلعة مستوردة لا حقًا مكتسبًا

الصحة؟ مراكز فارغة من الدواء، مستشفيات تفتقر إلى الكوادر، وأسعار الأدوية تكتب بلغة الدولار في بلد يتقاضى فيه الموظف راتبًا لا يتجاوز 40 دولارًا شهريًا

هل هذه دولة؟

هل هذه حياة؟

أين وُلدت فكرة "التحرير" إن كان المواطن في هذه المناطق يعيش أسوأ من المناطق التي لم تُحرر أصلًا؟

المواطن يدفع الثمن... وحده

في هذا الواقع المجنون، المواطن وحده يدفع الثمن

يدفع من صحته، من كرامته، من مدخراته إن بقي منها شيء

يدفع لكي يستمر في العيش، وإن كان العيش مجرّد شكل خارجي بلا مضمون

ومع ذلك، ما زال يُطلب منه أن يصبر

أن يصبر على الفساد، على العجز، على انعدام الكهرباء، على توقف الخدمات، على غياب الدولة، على غياب الأمل نفسه

لكن إلى متى؟

ولماذا؟

وأين هي النخبة السياسية التي يفترض أنها تمثّله؟ لماذا يصمت الجميع أمام هذا الخراب؟

أليس من المعيب أن تصبح معاناة المواطن فرصة لتجارة السوق السوداء، وأداة للابتزاز السياسي، وورقة ضغط إقليمية في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل؟

الدولة تبدأ من المواطن... أو لا تكون

لن يُحاسب التاريخ المواطن لأنه صرخ من الألم، أو عبّر عن جوعه، أو رفض الذل

بل سيُحاسب من جعل من لقمة الخبز أزمة، ومن أنبوبة الغاز صفقة، ومن الكهرباء أداة لإخضاع الناس

المواطن في المناطق المحررة لا يبحث عن امتيازات، فقط يريد ما يجب أن يكون بديهيًا

أن يعيش

أن يحصل على خدمات دون إذلال

أن لا يُعامل كمتسوّل في وطنه

وإن كانت الدولة لا تستطيع ضمان ذلك، فلتتوقف على الأقل عن المطالبة بالمزيد من صبره

لأن الصبر ليس لا نهائيًا... بل هو السلعة الوحيدة التي ما تبقّى منها أقل مما تتخيلون