كنت ولا زلت استغرب من عدم فتح قسم الدراسات التاريخية والآثار واللغات اليمنية القديمة جامعة إقليم سبا حتى هذه اللحظة.
وكأن بين المدينة التي شهدت قيام أكبر الحضارات اليمنية والإنسانية والقائمين عليها، قطيعة مع التاريخ والآثار والتراث الحضاري.
كان يفترض ان تكون اللبنة الأولى التي اعلن من خلالها قرار إنشاء جامعة في مارب، أن يكون قسم التاريخ والآثار واللغات اليمنية القديمة هو أول الأقسام واهمها، وأن تكون جامعة إقليم سبأ مركزا للبحث التاريخي والآثار بحكم الصلة الوثيقة بينها وبين التاريخ.
فوجه مارب الحضاري لا يليق به الا ان تكون مركزا يعاد من خلالها قراءة التاريخ، وحفظ الهوية اليمنية، ودراسة آثارها، وفتح أقسام مختصة بترجمة ودراسة لغاتها.
فبينما نحن نتطلع بأن يشعر القائمون على التعليم الجامعي في جامعة إقليم سبا بالقليل من الحياء والخجل وهم يتجاهلون افتتاح قسم مخصص بالدراسات التاريخية و الأثرية، نجدهم يفاجئونا عن افتتاح قسم اللغة التركية.
ألم يكن افتتاح قسم اللغات اليمنية القديمة اولى لدى نخبه وقيادة تعليمية مؤدلجه موهومة بثقافة خارجة متخادمة مع علاقات نفعية تبدي تجاهها الانفتاح، في حين تكون منغلقه ومتشددة جدا في وجه حضاراتها وتاريخها وأثآرها وتراثها ولغتها التي تجيد هويتها اليمنية القومية الاصيلة.
كم سيكون جميلا لو تم افتتاح قسم اللغات اليمنية القديمة لتشمل
اللغة المسندية، لغة ملوك سبا وحمير وظفار.
أليست اللغة المهرية لغة يمنية جميلة وقديمة وما تزال لغة حية عند قبائل ومناطق معينة في المهرة والمناطق الشرقية، والاولى دراستها كونها تمثل تنوع حضاري وثقافي يستحق الاهتمام.
أليست اللغة السقطرية من أهم اللغات التاريخية المتبقية المهددة بالاندثار والاولى حفظ الذاكرة اللغوية التي ميزت اليمنيين كأمة ثقافية عريقة.
أليست معابد واثار ونقوش وفنون الدولة السبئية أولى للدراسة والبحث والاهتمام.
على رئاسة جامعة إقليم سبأ ان تدير الجامعه من كونها جامعه تتبع الدولة اليمنية وهي جامعة حكومية يجب أن تحيد فيها وفي برامجها واقسامها العلمية كلما يشير إلى كونها جامعة خاضعه لتوجه أيديولوجي معين.
جامعه إقليم سبأ تختلف تماما عن جامعة العلوم والتكنولوجيا في مأرب أو جامعة أل البيت في صنعاء، انها جامعه وطنية وليست ملكية مجموعة مساهمين كي تخضع برامجها واقسامها لهوى وانتماء القائمين عليها.
مع العلم انه لا تربطنا بتركيا على المستوى الوطني والدولي والدبلوماسي والاقتصادي اي رابط يستلزم علينا هذا المستوى من الاهتمام بلغة قومية لدولة أخرى فلغة الاتراك كانت ولا زالت تخص القومية التركية والتمسك بها وفرضها على الطلاب المبتعثين إلى تركيا شيء اخر يخص تركيا ذاتها وهو نابع من اعتزاز قومي تركي بلغتهم وقوميتنم وليس له علاقة بالدين ولا بالاسلام لا من قريب ولا من بعيد، فقد كانت الدولة العثمانية كما تركيا اليوم ترفض ان تجعل اللغة العربية لغة الرسمية للدولة، ومن حقها الاحتفاظ بهويتها.
فما هي المصلحة من افتتاح قسم للغة التركية لدرجة صناعة نخبة يمنية تتكلم بلغة وثقافة غير ثقافتها. واذا كانت تركيا قد انفتحت بعض الشيء على الأحداث باليمن فذلك الانفتاح نابع من تبادل منافع وخدمات ذات بعد أيديولوجي وتعاون ثقافي وتعليمي مخصص بين تركيا العدالة والتنمية وبين التجمع اليمني للإصلاح ولم تنطلق تركيا من دعمها لليمن كدولة وشعب فقط، وهذا يعكس قوة العلاقة بين القوى الإسلامية المؤثرة في تركيا واليمن.
الا يعني فتح قسم اللغة التركية محاولة اختراق ناعمة للهوية اليمنية والعربية، ويدخل ضمن حسابات سياسية وولاءات وتقاسمات نحن في غنا عنها.
لطالما انتقدنا فتح قسم تعليم اللغة الفارسية في جامعة صنعاء وحذرنا من انتشار ثقافة وهوية دخيلة على بلادنا لا تستدعيها الحاجة، ولا ترفد قوانا الداخلية بشيء بغض النظر عن الفارق بين المشروع الفارسي والتركي في اليمن الا ان كلا منهما يبحث عن موطا قدم له لفرض ثقافته وهويته وان اختلفت ادواته ووسائله.
فلا حجم المنافع الاقتصادية والتجارية المتبادلة بين اليمن وتركيا يبرر ذلك، ولا حجم التبادل العلمي والثقافي بين البلدين يسمح بذلك، كما لا يفرض الدعم التركي سواء الاقتصادي أو الإنساني ولا حتى السياسي وموقفها من اليمن وحربه ضد الكهنوتيين ما يلزمنا رد الجميل بتعلم اللغة والثقافة التركية.
كما لا تمثل اللغة التركية للغة عالمية أو لغة علمية يفترض تعلمها، فممارستها ليست أكثر من ترف لغوي وثقافي نحن في غنى عنه مثلها مثل افتتاح قسم اللغة الفرنسية في جامعة ذمار ولكم ان تسألوا المتخرجين والمتخرجات منها اين ذهب تعليمهم وماهي الوظائف التي التحقوا بها؟ بل ماهو مصير اللغة الفرنسية التي تعلموها ودرسوها لمدة اربع أعوام؟.
واعتقد ان الطلاب والطالبات الذين سيلتحقون بهذا القسم اما سيكونوا من الساذجين المهووسين بالمسلسلات الرومانسية التركية أو المؤدلجين القائلين بخلافة الطيب أردوغان والمهووسين بشخصيات عثمانية من خلال مسلسلاتهم كارطغل وعثمان ومحمد الفاتح وغيرها في سياقها القومي التركي لا في سياقها الإسلامي المشترك.
اننا للأسف نبيع للناس الوهم، ونقدم خطط علمية لا تنتمي لنا ولا لتاريخنا ولا مجتمعنا ولو من باب الثقافة والتثقف.
فكيف تسخر موارد الدولة لصالح هذا العبث، وكيف تمضي بنا القيادة التعليمية نحو قرار شطب الهوية الوطنية والتاريخية لصالح هويات أخرى تكون قاتله لتفاعلنا الحضاري والقومي، كما هو الحاصل مع تركيا وطريقة تعاطينا معها اليوم.
وعليه اوطالب بإيقاف العمل بقسم اللغة التركية والفرنسية وادعوا رئاسة جامعة إقليم سبا إلى توضيح دواعي افتتاح هذا القسم والإجابة عن تسآؤلاتنا، حول الداعي والحوافز التي تلقتها الجامعة والحوافز التي سيتلاقها الطلاب الملتحقون إلى هذا القسم كي يقدموا على هذا القرار.
ثانيا: أجدد دعوتي إلى فتح قسم التاريخ والآثار بجامعة إقليم سبا وقسم اللغات اليمنية القديمة كخطوة ذات أولوية.
كما احب أن أشير إلى رئاسة جامعة إقليم سبا إلى البروتوكولات الرسمية المتبعه غالبا عند الاتجاه إلى فتح قسم لغة قومية لدولة ما في الجامعه، حيث يجب أن يسبق الاعلان عن افتتاح القسم اتفاق ثنائي بين دولتين( اليمن وتركيا ) مثلا عبر وزارة الخارجية، أو توقيع اتفاق للتعاون الثقافي الأكاديمي يتضمن بنود لإنشاء قسم اللغة التركية، وتوقيع مذكرة بين الجانبين بهذا الخصوص.
ويرعى في هذا الاتفاق عدم مساس البرامج والأنشطة العلمية مع ثقافة وهوية وسيادة البلد المضيف.
كما تتكلف الدولة أو الجامعة التي وقعت معها اتفاقية التعليم للغتها القومية تكاليف تأهيل المبنى والمرفقات الإدارية والطلابية من قاعات وأجهزة وادوات وتاثيث على نفقة ورعاية الدولة صاحبة اللغة التي تعنى بنشر لغتها وثقافتها.
كما أن رواتب أعضاء هيئة التدريس والدكاترة الزائرين تكون على مسؤولية الدولة أو الجهة التي وقع معها الاتفاق، أم ان هناك تواصلات موازية خارج إطار القرار الرسمي الدولتين وهو اخطر مافي الأمر على الدولة اليمنية والدولة التركية، وهذا الكلام ينطبق على الدولة الصينية والفرنسية.
وبناء عليه فإن التراجع عن هذه الخطوة غير المحوسبة المتجاوزة لبروتوكولات العلاقات بين الدول هو ما يليق بعقلية الدولة وثقافتها الملتزمة بالاعراف والتقاليد والقوانين، كما أن اليمن في معركه وجودية مع الكهنوت السلالي المدعوم ايرانيا ليست بحاجة إلى المزيد من المشاريع الأيديولوجية المستلبه المقومات نهوضه الحضاري.
ودمتم بخير