سلسلة هندسة النهضة – المقال الرابع
مقدمة:
بينما تدخل اليمن عامها الحادي عشر منذ اندلاع الانقلاب الحوثي، يتّضح أكثر من أي وقت مضى أن المشهد السياسي والعسكري لم يعد يُدار بمنطق استعادة الدولة، بل بأجندات داخلية متنافرة، وتدخلات إقليمية متشابكة. ففي ظل جمود مسار الحسم العسكري، وعدمية معطياته، وتعثر الجهود السياسية، برزت متغيرات خطيرة على الأرض أعادت صياغة خارطة النفوذ داخل مناطق الشرعية، ودفعت باليمن نحو مزيد من التشظي والإنهاك.
لقد تحوّلت مناطق الشرعية، التي يُفترض أن تكون ركيزة إعادة بناء الدولة، إلى ساحة لصراعات عبثية، وملعبٍ مفتوح لمراكز النفوذ غير المنضبطة، مما زاد من تعقيد المشهد وأربك بوصلة المعركة الكبرى. وفي مقابل تغوّل الحوثي في الشمال، تتعدد الولاءات والتشكيلات والمصالح في الجنوب والشرق، ما يجعل من فكرة "الدولة" ذاتها محل اختبار عسير.
وما يضاعف منسوب القلق، أن السنوات الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك عدم جدوى المراهنة على السلام مع جماعة الحوثي الانقلابية، التي أثبتت في كل جولة تفاوضية أنها ليست سوى أداة طائفية تُدار من خارج الحدود، لا تؤمن بالشراكة، ولا تقبل بفكرة الدولة الوطنية.
أمام هذا الانسداد الشامل، لم يعد كافيًا توصيف الكارثة أو الاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخر، بل بات من الضروري الانتقال إلى التفكير في الحل الواقعي، المبني على استثمار ما تبقى من الجغرافيا والشرعية لبناء نموذج مختلف: نموذج دولة حقيقية تنهض من الداخل، وتعيد تعريف الصراع، وتجبر الإقليم والعالم على مراجعة خياراتهم في التعامل مع الأزمة اليمنية.
ومن هنا، نطرح في هذا المقال نموذجًا تحليليًا نسميه: "نظرية الأرجل الأربع للطاولة السياسية"، بوصفه أداة لقراءة الواقع اليمني بدقة، وفهم أسباب عجز القرار، وإعادة هندسة توازناته.
---
أولًا: الرِّجل الأولى – البنية الذاتية للشرعية.. الحاجة إلى مركز ثقل وطني
إن أحد أبرز التحديات التي واجهتها الشرعية اليمنية، هو غياب بنية مؤسسية صلبة قادرة على تجسيد القرار الوطني بصورة موحدة. لقد نشأت الشرعية كائتلاف سياسي واسع، يعكس تنوع المشهد اليمني وتعدديته، لكنه افتقر منذ البداية إلى مركز ثقل إداري وسياسي يتمتع بالفاعلية والتماسك.
فمنذ بدء الحرب، ظل الأداء العام للشرعية محكومًا بتعدد المرجعيات وتفاوت الرؤى بين مكوناتها، مما أضعف قدرتها على التفاعل المنسق والموحد مع التحديات المتلاحقة. تباين الأجندات، وتداخل الولاءات، وغياب الآليات الواضحة لاتخاذ القرار الجماعي، أدى إلى حالة من الضعف في الأداء المؤسسي، سواء على المستوى السياسي أو الإداري أو الأمني.
لقد انعكس هذا الضعف البنيوي على فاعلية الشرعية في إدارة الدولة من جهة، وفي تمثيل الإرادة الوطنية الجامعة من جهة أخرى. ومع غياب قيادة متماسكة ذات حضور داخل الوطن، بقيت مؤسسات الشرعية عرضة للضغوط والانقسامات، عاجزة عن تكوين كتلة قرار متجانسة.
إن الشرعية، بكل ما تمثّله من إطار دستوري معترف به، تحتاج اليوم إلى إعادة هندسة بنيتها من الداخل، لبناء مركز قرار وطني متماسك، قائم على رؤية واضحة، وإرادة مستقلة، وشراكة فعلية بين قواها السياسية والمجتمعية. ذلك هو الأساس الضروري لتثبيت الرِّجل الأولى في هندسة الطاولة الوطنية، فلا استقرار سياسي ممكن دون شرعية قادرة على التعبير الفعلي عن مصالح اليمنيين وإدارة شؤونهم بكفاءة ووحدة قرار.
النتيجة: الرِّجل الأولى للطاولة اليمنية مكسورة. ولا يمكن الحديث عن قرار سياسي وطني ما لم تُبْنَ مؤسسة القرار ذاتها: برؤية، وإرادة، وهيكل، وقيادة لا تتوزع في المنافي.
---
ثانيًا: الرجل الثانية – القاعدة الشعبية.. مسافة ثقة تحتاج إلى ترميم
تُعاني العلاقة بين الشرعية والمجتمع من اهتزاز واضح، ناتج عن تآكل الثقة الشعبية نتيجة تراكم الإخفاقات الخدمية، وغياب الحضور الفاعل للدولة في حياة الناس. فمع طول أمد الصراع، وجد المواطن اليمني نفسه وحيدًا أمام أعباء معيشية متزايدة، وانهيار اقتصادي مريع، وخطاب سياسي لم يُجِب عن أسئلة المواطن اليومية، ولا عن تطلعاته الوطنية.
في مناطق سيطرة الحكومة، تفاوت الحضور المؤسسي بين حدّ التراجع والانكماش، كما في المحافظات الجنوبية والشرقية والغربية، وحدّ الصمود المثقل بالتحديات كما في مأرب. أما في مناطق سيطرة الحوثي، فالمواطن محاصر بين سطوة القمع، والجوع المهلك، وغياب البديل الفعّال.
هذه الفجوة لا تُختزل في تقصير خدماتي، وانهيار اقتصادي، بل هي مسافة ثقة تحتاج إلى ترميم شامل يبدأ من خطاب جامع، وأداء ميداني محسوس، وسياسات تضع المواطن في قلب معادلة القرار، لا في هامشه.
النتيجة: الرِّجل الثانية في هندسة الطاولة الوطنية تحتاج إلى إعادة تثبيت على قاعدة الثقة الشعبية، عبر تمثيل حقيقي، وخطاب مسؤول، وحضور فعلي يلامس احتياجات الناس ويجعل منهم شركاء في صياغة المستقبل.
---
ثالثًا: الرِّجل الثالثة – الإقليم.. من الدعم إلى التدوير المشروط
حين تشكّل التحالف العربي، ارتسمت الآمال بأن يكون مظلّة عربية لاستعادة الدولة، وحماية المؤسسات، وصدّ التمدد الانقلابي. غير أن مسار الأحداث خلال السنوات الأخيرة أفضى إلى تحولات جوهرية في أهداف هذا التحالف، من دعمٍ صريحٍ للشرعية إلى إدارةٍ مشروطة للملف اليمني، ثم إلى مقاربة تشظّي وتشبيك أمني منفلت، أنتج واقعًا مغايرًا لمقاصد التدخل الأولى.
ففي المحافظات المحررة، لم يعد حضور التحالف يُترجم إلى استقرار أو بناء مؤسسي، بل تحول – في كثير من الأحيان – إلى عامل إرباك لمشهد الشرعية، عبر رعاية تشكيلات عسكرية وأمنية موازية، تنشط خارج مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، وتعمل وفق أجندات لا تنسجم بالضرورة مع مقتضيات السيادة الوطنية.
وإلى جانب ذلك، بقي الوضع الاقتصادي والخدمي في هذه المناطق عرضة للتجاهل أو المعالجات الجزئية، مما راكم الاحتقان الشعبي، وأضعف فاعلية الحكومة، وقوّض صورة الدولة في أذهان المواطنين.
النتيجة: الرِّجل الثالثة ترتجف. ويستحيل على الشرعية أن تستعيد توازنها ما لم يُعاد ضبط العلاقة مع الإقليم على قاعدة دعم الاستقرار لا إعادة التدوير، وبناء الدولة لا تكريس الانقسام.
---
رابعًا: الرِّجل الرابعة – البعد الدولي .. اعترافٌ هشّ وحضورٌ مفرغ
رغم استمرار الاعتراف الدولي بالحكومة اليمنية بوصفها الممثل الشرعي للدولة، إلا أن هذا الاعتراف بات يأخذ طابعًا بروتوكوليًا أكثر منه دعمًا فعليًا. فقد تآكل المضمون السياسي للاعتراف، بفعل غياب استثمار الشرعية لهذا الاعتراف في بناء شبكة مصالح وتحالفات استراتيجية، وبفعل سياسة دولية باتت تميل إلى "إدارة الأزمة" بدلًا من "حلّها".
في الواقع، باتت بعض الأطراف الدولية تتعامل مع جماعة الحوثي – واقعًا لا قانونًا – بوصفها طرفًا سياسيًا لا مجرد ميليشيا انقلابية، وهو ما انعكس في لغة المبادرات الأممية المتساهلة، وفي لقاءات غير مباشرة وأحيانًا شبه مباشرة تُمنَح فيها الجماعة فرص الحضور، دون أي التزام واضح بمسار السلام أو قرارات مجلس الأمن.
وفي ظل غياب دبلوماسية يمنية فاعلة، أو جهاز سياسي خارجي محترف يعبر عن مصالح الدولة، فَقَدَ الصوت الرسمي اليمني قدرته على التأثير في صياغة المواقف الدولية، بل أصبح كثير من المحافل الأممية يشهد تراجعًا واضحًا للرواية الوطنية، في مقابل تصاعد لغة ملتبسة تُعادل بين المعتدي والضحية، وبين الدولة والميليشيا.
النتيجة: الرِّجل الرابعة مائلة، ليس بفعل الخصوم وحدهم، بل أيضًا بسبب العجز الذاتي عن إدارة العلاقة مع الخارج بما يخدم مشروع استعادة الدولة.
---
خامسًا: النتيجة العامة – طاولة الشرعية…
يقف المشهد السياسي اليمني فوق طاولة رباعية الأركان، لكن كل رِجل فيها تعاني خللًا بنيويًا يعوق قدرتها على الصمود أو الاستقرار:
١- رجل أولى مكسورة: شرعية رسمية تفتقر للتماسك الداخلي، مثقلة بالصراعات البينية والانقسامات المؤسسية، وعاجزة عن إنتاج قرار موحّد أو قيادة فعّالة.
٢- رجل ثانية مخلخلة: قاعدة شعبية متآكلة، مجتمع يائس فاقد الثقة، منهك تحت وطأة الإهمال والخذلان، لا يرى في الشرعية مظلة حقيقية لحمايته أو خدمته.
٣- رجل ثالثة مضطربة: دعم إقليمي متأرجح، تتقاذفه الحسابات الضيقة وأولويات النفوذ، ويتعامل مع اليمن كرقعة شطرنج أكثر من كونه وطنًا بحاجة للإنقاذ.
٤- رجل رابعة مائلة: اعتراف دولي شكلي، لم يعد كافيًا وحده أمام حضور حوثي متزايد في المحافل، وتراجع الشرعية في سرد روايتها والدفاع عن قضاياها.
إنها طاولة تعاني اختلالًا وظيفيًا عميقًا، ولا يمكنها أن تتحمل أعباء التسويات الكبرى أو تقود مرحلة مفصلية في تاريخ اليمن، ما لم تُعاد هندستها جذريًا.
---
سادسًا: استعادة توازن الطاولة السياسية وبناء الدولة
لم يعد كافيًا تشخيص الواقع أو تبادل الاتهامات بين القوى المختلفة، فالأزمة اليمنية تتطلب مقاربة جادة وعملية لإعادة هندسة الطاولة السياسية على أسس وطنية متزنة، تحترم تطلعات الشعب اليمني وتستجيب لمتغيرات الواقع، وتتكامل فيها أدوار الفاعلين الداخليين والخارجيين. ومن هنا، فإن المخرج من الأزمة يمر عبر خريطة طريق وطنية، ذات أبعاد متعددة، ومرتكز رئيسي يتمثل في دور فاعل ومسؤول للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، انطلاقًا من موقعها الجغرافي والسياسي ومسؤوليتها التاريخية تجاه أمن واستقرار اليمن والمنطقة.
عناصر خريطة الطريق:
١. إعادة بناء مؤسسة الشرعية:
يقع على عاتق القوى الوطنية الفاعلة وعلى التحالف، إعادة صياغة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي برؤية سياسية استراتيجية جديدة تعبّر عن الإرادة الوطنية الجامعة، وتنقية بنية الشرعية من عناصر الفشل والفساد، وبناء مركز قرار وطني مستقل، يملك زمام المبادرة ويمثل تطلعات الشعب.
٢. تهيئة بيئة سياسية عادلة ومتوازنة:
مسؤولية الحكومة والأحزاب السياسية والمكونات المجتمعية هي مراجعة آليات التمثيل السياسي، وضمان الشراكة الوطنية الشاملة، وتفعيل الحوار السياسي المسؤول، بما يضمن دمج جميع القوى المؤمنة بالدولة في طاولة القرار، وتجسير العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين الأداء الخدمي، واستعادة العدالة، وتعزيز خطاب مسؤول يتبنى مطالب الناس ويعيد الثقة بالمؤسسات، ويخلق حالة من الاصطفاف المجتمعي خلف مشروع الدولة.
٣. إعادة ضبط العلاقة مع التحالف العربي:
المطلوب من قيادة الشرعية والتحالف، نقل العلاقة من الإسناد العسكري الفوضوي إلى شراكة استراتيجية، تُبنى على دعم مؤسسات الدولة، وتعزيز السيادة، وتوحيد القرار الأمني والسياسي، بما يخدم استقرار اليمن والمنطقة. وعلى التحالف إطلاق برنامج دعم اقتصادي وتنموي شامل، وبالتعاون مع المجتمع الدولي، واطلاق مبادرة إنقاذ شاملة، تستهدف إعادة إعمار المناطق المحررة، وتحفيز الاقتصاد الوطني، وتوفير الخدمات، وبناء نموذج استقرار جاذب ومُلهم لبقية المناطق، وخصوصًا تلك التي ما زالت ترزح تحت الانقلاب.
٤. تنشيط الدور الدبلوماسي اليمني:
بدعم من التحالف والمجتمع الدولي، مطلوب توحيد الخطاب السياسي الخارجي، وتفعيل السفارات، وتحشيد الدعم الدولي لمشروع الدولة اليمنية، وفضح مشروع العنف والانقلاب، وإعادة اليمن إلى خريطة الشرعية الدولية كلاعب مسؤول.
٥. إشراك القوى المجتمعية المدنية، والنخب الفكرية، والمنظمات المحلية، لخلق وعي جمعي حول أهمية استعادة الدولة، ومواجهة المشاريع اللاوطنية، وتعزيز القيم الديمقراطية، وإحياء المشاركة الشعبية في صياغة مستقبل اليمن.
---
إن مسؤولية استعادة التوازن وبناء اليمن الجديد مسؤولية تشاركية، لكنّ الدور المحوري يجب أن تضطلع به المملكة العربية السعودية، انطلاقًا من إدراكها بأن أمن اليمن واستقراره هو جزء من أمن الخليج والمنطقة، وأن انتصار مشروع الدولة في اليمن هو صمام أمان لاستقرار المنطقة برمتها. والمطلوب اليوم ليس فقط وقف الحرب، بل إطلاق مسار إعادة البناء الشامل لطاولة المشهد السياسي، وفق هندسة مدروسة، تقوم على أعمدة متزنة تمثل: الشرعية المؤسسية، التمثيل الوطني، القرار السيادي، والشراكة المجتمعية، لتقديم نموذج دولة جاذب، يجعل المشروع الحوثي ينحسر ويتلاشى من داخله.
''''''''''
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الاحد ٣ اغسطس ٢٠٢٥م