منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، يعيش الملايين من اليمنيين تحت وطأة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي عرفها العالم في العصر الحديث. لقد دخلت البلاد في دوامة صراع دموي عقب سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء، ثم تصاعدت المواجهات بدخول التحالف العربي بقيادة السعودية. ومع تعقّد المشهد السياسي والعسكري، تقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ متصارعة، وانهارت مؤسسات الدولة، وتوقف صرف رواتب مئات الآلاف من الموظفين، وأُغلقت المدارس والمستشفيات، فيما بات الحصول على الغذاء والدواء من الكماليات النادرة.
لم تقتصر آثار الحرب على المعارك العسكرية فقط، بل امتدت إلى كل جوانب الحياة. أغلِق مطار صنعاء، وتعرض ميناء الحديدة للحصار، مما عرقل وصول الإمدادات الحيوية، وأسهم في تفشي المجاعة وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال. وتفشى وباء الكوليرا منذ عام 2016 ليصيب أكثر من 2.5 مليون شخص حتى عام 2021، في أسوأ تفشٍ مسجل لهذا المرض في التاريخ الحديث، بينما ظلت المستشفيات بلا تجهيزات أو أدوية، في ظل انهيار النظام الصحي وندرة الكوادر.
وفي الوقت ذاته، خضعت المساعدات الإنسانية في شمال البلاد لرقابة مشددة من قبل جماعة الحوثيين، ما أعاق عمل المنظمات الدولية وأخّر توزيع المواد الغذائية والدوائية، خصوصًا في المناطق الأكثر فقرًا واحتياجًا. أما في الجنوب، فقد عانت مناطق تحت سيطرة الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي من تدهور اقتصادي عميق وصراعات داخلية، حالت دون استقرار إداري أو أمني، لتبقى حياة المدنيين عالقة بين الفوضى السياسية والانهيار المعيشي.
مع حلول عام 2023، ازداد الوضع سوءًا، حيث أصبحت المجاعة واقعًا يوميًا لملايين الأسر. وقدّر تقرير للأمم المتحدة في عام 2024 أن أكثر من 17 مليون شخص في اليمن يعانون من الجوع، بينهم أكثر من مليون طفل يواجهون خطر الموت نتيجة سوء التغذية الحاد. وأظهرت مؤشرات خطيرة في مناطق مثل الحديدة ومحيطها، حيث تجاوزت معدلات سوء التغذية لدى الأطفال 30%، وهي نسبة تُنذر بانهيار إنساني كامل، بحسب تقارير منظمة اليونيسف. وتزامن ذلك مع كوارث طبيعية، من بينها فيضانات مدمرة اجتاحت غرب البلاد في صيف 2024، وتسببت في تهجير الآلاف وقطع طرق الإمداد.
ورغم تفاقم الاحتياجات، تراجعت المساعدات الدولية بشكل كبير، ما دفع المنظمات إلى تقليص برامجها الغذائية والدوائية، في وقتٍ أصبحت فيه آلاف العائلات تعيش على الخبز والماء فقط. وفي شهادة مؤثرة نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية، قالت لاجئة يمنية: "نعيش على الخبز والشاي فقط، وتمنيت الموت أكثر من مرة". هذا التراجع في المساعدات تزامن مع تصاعد استخدام الوضع اليمني كورقة ضغط سياسية إقليمية ودولية، وسط تقارير تشير إلى استخدام أدوات مراقبة وتواصل مشبوهة لتنفيذ ضربات جوية في البلاد، بعيدًا عن أي محاسبة أو شفافية.
وبعد مرور عشر سنوات على الحرب، لم يبق لليمنيين سوى الألم، والانتظار الثقيل لحل سياسي يبدو بعيد المنال. لم تعد البنى التحتية قائمة، ولا توجد منظومة صحية أو تعليمية فاعلة، فيما يستمر الأطفال في دفع الثمن الأكبر لهذا الصراع العبثي. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية لإنهاء الحرب، وتوفير حلول جذرية تضمن الأمن والكرامة والعدالة، فإن هذا العقد المظلم من التاريخ اليمني قد يمتد إلى سنوات أخرى أكثر قسوة.