مأربُ الجمهورية وحاضنةُ المقاومة، ومنطلقُ استعادةِ الدولة، ليست خيارًا إجباريًا لموقعها الجغرافي ومكانتها التاريخية فحسب، بل لأن العدو، كما الصديق، والقريب قبل البعيد، قد اتفقت قناعتهم على أنه لا شرعية بدون مأرب، ولا بقاء لمأرب بدون شرعية الدولة ولافتة الجمهورية.
هذه القيمة والمكانة هي التي أوجدت المحبين والحريصين على الحفاظ عليها في معادلة التوازن الوطني والإقليمي والدولي. وفي الوقت نفسه، ولنفس الدوافع والأسباب، هناك قوى تتربص بها وتسعى من خلالها لطي عقدٍ من المواجهة والصراع، بإسقاطها، ومن خلالها إسقاط الشرعية، وإنهاء ما تعتقده تلك القوى تهديدًا وجوديًا لمشاريعها وأطماعها.
ولذلك، فإنهم يتجاوزون خلافاتهم عندما تكون مأرب هي الهدف، ويندفعون بقوة حين تظهر لهم ثغرة لاستهدافها دون سابق تنسيق. وليس هناك من ثغرة تستفز دوافعهم تجاه مأرب مثل خروج مشاكل، أو اختلالات، أو خلافات مؤسسات الدولة في مأرب ومكوناتها الجمهورية إلى الفضاء العام، ليقوموا بتوظيفها والتهويل بشأنها بشتى الوسائل، للنحت المكثف من مكانتها في الوجدان الوطني، ومن معادلة التوازن في الصراع ببعده المحلي والإقليمي والدولي. هذا التوجه يمثل استراتيجية مشتركة ومستمرة للقوى المعادية للمشروع الوطني الجمهوري، إلا أن لحظات الثغرات التي ذكرناها تمكّنهم من تحقيق أهدافهم بتقدّم ملحوظ، من خلال مأرب، على كل صعد النضال والكفاح الوطني المقدس.
وهنا نرسل رسالة للجميع: هل ندرك أهمية الحفاظ على مأرب في سياقها الوطني وعمقها وامتدادها وحضورها الإقليمي والدولي؟ وهل يمكن الحفاظ عليها لمواجهة الأعداء المتربصين بها في سياق محلي مناطقي منفرد، أم في إطار وطني وإقليمي ودولي يحفظ دورها في معادلة الصراع، ويجعل منها منطلقًا رئيسيًا، ليس فقط لاستعادة الدولة وإنهاء التمرد الحوثي، بل لإعادة الاعتبار للأمن الإقليمي والدولي؟
كما نوجّه رسالة خاصة إلى الكتلة الجمهورية في مأرب، سلطةً محليةً، وجيشًا، ومقاومةً، ونخبًا، وفئات المجتمع: الحفاظ على مأرب ضمانٌ لوجودنا، ومستقبل أجيالنا، وانتصارٌ لكرامتنا، حيث يتجلى دورنا من خلالها تجاه اليمن الجمهوري بإثبات جدارتنا في معالجة المشاكل والاختلالات والثغرات بمسؤولية جماعية تعاونية، تجسد الحرية والكرامة والعدل، وكل قيم الجمهورية بفكر وثقافة الدولة.
تجسيد تلك القيم يجب أن يكون بعيدًا عن الانتقائية والشللية، وعن التغاضي عن تلك الاختلالات، أو ردود الفعل الشخصية والفئوية في وسائل التواصل الاجتماعي التي تفرّق ولا تجمع، وتفسد ولا تصلح، وتحزن الصديق وتسرّ العدو.