آخر تحديث :الأحد-31 أغسطس 2025-01:57ص

شركات الأدوية الكبرى.. سرطان ينهش المواطن

الجمعة - 15 أغسطس 2025 - الساعة 12:49 ص
عمر الكاف

بقلم: عمر الكاف
- ارشيف الكاتب


مصيبتنا في هذا البلد أننا لا نقف صفاً واحداً بوجه من يتاجر بحياتنا وصحتنا. وبينما نحلم بتغير حالنا نحو الأفضل، نجد أنفسنا أمام فئة من التجار الكبار الذين جعلوا من المرض تجارة ومن حياة المواطن البسيط مزاداً مفتوحاً.


لقد لمسنا جميعاً مؤخراً جهوداً حكومية حقيقية، حيث انخفض سعر العملة بأكثر من 45% بفضل إجراءات جبارة أعادت لنا نحن المواطنين شيئاً من الأمل بتحسن أوضاعنا. كما رأينا تشكيل لجان من مدراء المديريات والغرف التجارية ووزارة الصناعة والتجارة، سعت لضبط السوق وكبح جشع التجار في المواد الغذائية والمشتقات النفطية التابعة للمؤسسات الحكومية. تلك الخطوات كان لها أثر إيجابي، وأشعرنا أن هناك من يستشعر معاناتنا.


لكن، ما لبث هذا الأمل أن تحوّل إلى خيبة مرة عندما اتجهت تلك اللجان نحو الصيدليات، مطالبة أصحابها بخفض أسعار الأدوية. وهنا انكشفت الحقيقة: فالمتحكم الفعلي بالأسعار ليست الصيدليات بل الشركات الكبرى المستوردة للأدوية، التي ترفض الاعتراف بسعر الصرف الجديد. هؤلاء ما زالوا يبيعون الأدوية على أساس صرف 650 ريالاً للدولار، في حين أن السعر الفعلي اليوم هو 428 ريالاً! أي سرقة أوضح من هذه؟


المأساة أن الدواء ليس سلعة يمكن مقاطعتها. المواطن اليوم مجبر على شرائه، لأن المرض لا ينتظر، والفيروسات التي تحاصرنا لا ترحم. ومع ذلك، تواصل الشركات ابتزاز المرضى ومضاعفة معاناتهم. والأسوأ أن اللجان الحكومية لم تجرؤ على مواجهة هؤلاء “الحيتان”، وبدلاً من ذلك ألقت بثقلها على الصيدليات الصغيرة، مجبرة إياها على البيع بخسارة، حتى اضطر الكثير منها إلى إغلاق أبوابه أمام الناس.


هذا الوضع يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا القانون يطبق فقط على الضعفاء، بينما الكبار ينجون من المساءلة؟ أليس الأولى أن تُلزم الشركات الكبرى بالبيع بسعر الصرف الحالي؟ أليس من المنطقي أن تتحمل الهيئة العامة للأدوية مسؤولية استيراد الدواء بشكل مباشر، لتوفير الأدوية للمواطن بسعر عادل بعيداً عن جشع الشركات الخاصة؟


إن استمرار صمت الحكومة ولجانها عن ممارسات هذه الشركات يعني شيئاً واحداً: أن معاناة المرضى ستتفاقم، وأن الموت البطيء سيبقى قدراً محتوماً لشعب أنهكه الفقر والمرض. وعلى الدولة إن كانت جادة فعلاً في حماية المواطن، أن تواجه المتسبب الحقيقي في الأزمة: الشركات الكبرى التي جعلت من الدواء تجارة دموية لا تقل خطورة عن السلاح.