في حادثة أثارت جدلاً واسعاً، أعلن مدير أمن إحدى المحافظات استقالته مبرراً ذلك بعدم توفر الدعم المالي الكافي لمؤسسته الأمنية للقيام بواجباتها وتنفيذ المهام الموكلة إليها. خطوة بدت للوهلة الأولى نادرة في الواقع اليمني، حيث اعتاد المسؤولون على التشبث بمناصبهم حتى آخر رمق، ولا يتخلون عنها إلا مقابل منصب أرفع أو أكثر إغراء، كملحق دبلوماسي أو سفير.
غير أن التعاطف الشعبي مع الاستقالة لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تكشفت معلومات صادمة نشرها أحد نشطاء الملتقيات المحلية، تؤكد أن المسؤول الأمني ذاته يتقاضى شهرياً أكثر من ربع مليار ريال يمني من عائدات الجبايات المفروضة يومياً في نقاط المحافظة. أرقام فلكية كفيلة بتحويله إلى ملياردير خلال عام أو عامين فقط.
الدولة الغائبة الحاضرة
اللافت أن مثل هذه الأرقام الضخمة تمر مرور الكرام، وكأن الدولة غائبة تماماً عن تلك الجبايات التي تثقل كاهل المواطن. بل إن شواهد أخرى تؤكد أن السلطة نفسها ترعى هذا الفساد، وتعيد تدوير المتهمين في قضايا نهب المال العام. فقبل سنوات، أصدر رئيس الجمهورية قراراً بإقالة رئيس وزراء سابق وإحالته للتحقيق بعد ثبوت تورطه في قضايا فساد، غير أن المفارقة الصادمة تمثلت في تعيينه لاحقاً في منصب أعلى داخل الدولة، وبقرار رئاسي رسمي.
غياب الضمير وحضور الجوع
هذه الصورة القاتمة تكشف أن الفساد في اليمن لم يعد مجرد سلوك فردي، بل منظومة متكاملة تتغذى على معاناة الناس. فالمليارات المتدفقة من الجبايات لا تنعكس على الأمن ولا على الخدمات، بل تذهب إلى جيوب نافذين ومسؤولين، بينما يرزح المواطن البسيط تحت خط الفقر والجوع.
وطن يتسيده اللصوص
ما يحدث يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن السلطة في اليمن أصبحت مرتعاً للنافذين واللصوص، بعيداً عن أي قيم وطنية أو دينية أو حتى وازع أخلاقي يمنع الإنسان من أكل المال الحرام. المواطن وحده يدفع الثمن، محروماً من أبسط حقوقه، فيما تتحول المناصب إلى وسيلة للثراء السريع على حساب دماء الغلابة وصبرهم.