آخر تحديث :السبت-30 أغسطس 2025-01:07ص

المواكب والحراسات لا تبني أوطان

الأربعاء - 20 أغسطس 2025 - الساعة 09:30 ص
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


في رحلة برية إلى حضرموت بعد حرب 1994م، صادفت مشهداً يختصر فلسفة الحكم في اليمن خلال عقود: عشرات الأطقم العسكرية، ناقلات ممتلئة بالجنود، وسيارات محمّلة بالإطارات، كلها تتجه نحو المكلا. لم يكن الأمر تحضيراً لمعركة، بل كان مجرد ترتيبات أمنية لزيارة مرتقبة للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح.

المشهد الذي تجاوز المئة طقم وسيارة، دفع للتساؤل: إذا كان هذا جزءاً من الاستعدادات، فكيف سيكون موكب الرئيس نفسه؟ وكم ستكلف الزيارة التي يفترض أن تكون رمزاً للتواصل مع المواطنين، لكنها تحولت إلى استنزاف لموارد الدولة المنهكة؟

موكب يلتهم قوت الناس

في تلك اللحظة، كان في الذاكرة مشهد آخر: مئات البسطاء الذين يخرجون فجراً بحثاً عن عمل يوفر لهم 500 ريال بالكاد تكفي لإعالة أسرهم. بعضهم يعود بخفي حنين، وآخرون يقضون يومهم في انتظار رزق يسد رمقهم. المفارقة المؤلمة أن الملايين التي تنفق على مواكب واستعراضات الحماية، كفيلة بإطعام عشرات الأسر لأسابيع.

بين زعيم متواضع ومستبدّ متغطرس

المقارنة لم تكن لصالح الحاكم اليمني. ففي دول نُسميها "كافرة"، نرى رؤساء وحكاماً يتنقلون بمركبات عادية، أحياناً في مواصلات عامة، دون أن تُهدر أموال الدولة على مظاهر زائفة للأمن والهيبة. هناك تُبنى الأوطان بالعلم، بالقانون، وبالمؤسسات، لا بالرصاص والحراسات.

ثقافة الموكب... وصناعة الوهم

في اليمن، تحولت المواكب إلى رمز للقوة الزائفة. مسؤول يرى في الموكب الطويل دليلاً على "هيبته"، بينما الحقيقة أن هيبة المسؤول تكمن في إنجازاته لا في عدد البنادق التي ترافقه. إنفاق الملايين على رحلة صباحية من بيت المسؤول إلى مكتبه، أو على زيارة لافتتاح مشروع، غالباً ما يكلف حضوره أكثر من تكلفة المشروع نفسه، هو استنزاف يقتل روح الدولة ويعمّق الفساد.

الطريق إلى وطن مختلف

الدول لا تُبنى بالمواكب. تُبنى عندما يشعر المواطن أن قوت يومه أهم من استعراض السيارات المصفحة. تُبنى حين يعرف المسؤول أن الموت آتٍ لا محالة، وأن حراسات الدنيا لن تدفع قدراً. تُبنى حين تُزال ثقافة "الزعيم الهمام" الذي يسرق لقمة الجائع ليظهر بمظهر القائد، وتُستبدل بقيادة تخدم الناس وتخشى حسابهم قبل موتها.

ولذلك، فإن أولى خطوات بناء الدولة في اليمن، أن تختفي المواكب الباذخة من حياتنا العامة، وأن تُستبدل بهيبة القانون، وقوة المؤسسات، واحترام المال العام. حينها فقط، يمكن لليمن أن يحلم بأن يكون في صفوف الدول التي عرفت طريق الرقي والنمو.