آخر تحديث :السبت-30 أغسطس 2025-01:02ص

بند الإعاشة: من أهمية الإيقاف إلى ضرورة المحاكمة (قراءه قانونية)

الأحد - 24 أغسطس 2025 - الساعة 12:01 ص
اسامة عمر

بقلم: اسامة عمر
- ارشيف الكاتب


قد يُصور البعض قضية "بدلات الإعاشة بالعملة الصعبة" للمسؤولين في الخارج بل وحتى في الداخل على أنها مجرد خلل إداري أو ميزة مستحقة لظروف استثنائية؛

في حين أنها عبارة عن جريمة جنائية مركبة ومستمرة، وتتوزع المسؤولية الجنائية فيها توزيعًا تضامنيًا وتشاركيًا بين أطراف متعددة بدءًا من صانع القرار الذي أنشأ هذا الواقع غير المشروع مرورًا بـ المنفذ والمُسهِّل وانتهاءً بـ المستفيد القابض للمال العام

وجميع هؤلاء بتوصيفاتهم المختلفة كفاعلين أصليين أو شركاء يقعون تحت طائلة قانون العقوبات.


∆أولًا: في انهيار الأساس التعاقدي للصرف – مبدأ "الأجر مقابل العمل"


إذ إن العلاقة بين الموظف العام والدولة هي علاقة تنظيمية لائحية يحكمها القانون، وتحديدًا قانون الخدمة المدنية رقم 19 لسنة 1991,

هذا القانون في جوهره يُرسي عقدًا ضمنيًا بين الطرفين قوامه مبدأ عالمي هو "الأجر مقابل العمل" (no work no pay)

وبمقتضى هذا المبدأ فإن الراتب وكافة المزايا المالية الملحقة به بما في ذلك البدلات أيًا كان مسماها (سفر، اغتراب، طبيعة عمل) لا تمثل منحة أو هبة من الدولة بل هي مقابل لأداء واجبات وظيفية فعلية محددة الهدف والمدة وتحقق نفعًا عامًا حقيقيًا يمكن قياسه.


الانقطاع عن العمل وأثره القانوني:

إن انقطاع الموظف عن أداء مهامه الوظيفية الفعلية دون وجود قرار تكليف رسمي صحيح بمهمة واضحة ومحددة زمنيًا وذات منفعة عامة يحدث فسخًا حكميًا للالتزام المقابل على عاتق الدولة وهو دفع الأجر وملحقاته, بل وقد يصل الأمر إلى الفصل من الوظيفة العامة...

واستمرار عملية الصرف، لاسيما ببدلات استثنائية بالعملة الصعبة، لا يعد مجرد إخلال بالعلاقة التعاقدية بل هو تصرف باطل قانونًا لانتفاء سببه ومحله.


النتيجة القانونية:

كل مبلغ مالي سواء بالريال اليمني أو بالدولار الأمريكي تم استلامه بعد تحقق واقعة الانقطاع الفعلي عن العمل هو مال تم قبضه "بغير وجه حق"

وهذا الوصف القانوني الدقيق لا يتأثر بالذرائع الإدارية، ولو استند الصرف إلى توجيهات عليا أو تم إدراج الاسم في الكشوفات على سبيل المجاملة السياسية أو حتى بعد متابعة ملحة ووساطات؛

فهذه كلها وقائع مادية لا ترقى إلى مرتبة "السند القانوني" الصحيح.

وعبارة "بغير وجه حق" هي بوابة العبور من نطاق القانون الإداري إلى رحاب القانون الجنائي.


∆ثانيًا: في التكييف الجنائي للفعل – جريمة الاستيلاء على المال العام وتوزيع المسؤوليات


وفقًا لأحكام قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 لسنة 1994؛ عندما يتم قبض مال عام "بغير وجه حق" فإننا ننتقل من دائرة المخالفة الإدارية إلى دائرة الجريمة الجنائية؛

والفعل المرتكب هنا ليس جريمة بسيطة بل هو فعل مركب تتداخل فيه عدة أوصاف إجرامية؛ حيث يتضمن القانون


•• جريمة "الاختلاس" الاستيلاء على المال العام وتسهيله (المادة 162 من قانون الجرائم والعقوبات):

"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سبع سنوات كل موظف عام:

1- اختلس مالًا وجد في حيازته بسبب وظيفته.

2- استغل وظيفته فاستولى بغير حق على مال للدولة أو إحدى الهيئات أو المؤسسات العامة أو الوحدات التابعة لها أو سهل ذلك لغيره.

وإذا لم يصحب الفعل المنصوص عليه في الفقرتين السابقتين نية التملك بأن كان يقصد استعمال المال ثم رده تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات."


* بيان وتأصيل أركان الجريمة وتوزيع المسؤوليات:


الفاعل الأصلي (الأمين الخائن): هو ذلك الموظف العام الذي بيده سلطة القرار أو التوقيع أو الأمر بالصرف (رئيس، وزير، رئيس هيئة، مسؤول مالي)

هذا الشخص هو "الأمين" بالمعنى القانوني الدقيق، فالمال العام في عهدته أو تحت سلطته بحكم وظيفته

وعندما يوقع على كشوفات الإعاشة أو يأمر بصرفها وهو يعلم عدم مشروعيتها (علم حكمي) فإنه يرتكب بنفسه فعل الاختلاس أو الاستيلاء بتسهيله للغير، ناهيكم عن تسهيله للاستيلاء لنفسه.

في كلتا الحالتين هو من خان الأمانة بشكل مباشر وأخرج المال من ذمة الدولة محققًا بذلك الركن المادي والمعنوي للجريمة كفاعل أصلي


- الشركاء في الجريمة: لا تقتصر المسؤولية على الفاعل الأصلي بل تمتد لتشمل شبكة واسعة من الشركاء الذين ساهموا في تحقيق النتيجة الإجرامية، وهم:


1. الشريك القابض (المستفيد): وهو من يقبض الإعاشة؛ ورغم أنه ليس "أمينًا" على المال قبل قبضه إلا أنه يصبح شريكًا أساسيًا بالمساعدة والاتفاق؛ وذلك بقبوله ضم اسمه للكشوفات وتقديمه لبياناته وعلمه بأن المال غير مشروع واتجاه إرادته لتملكه؛

حيث يوجد لديه قصد جنائي مشترك: بعلمه اليقيني (أو على الأقل المفترض) بأن هذا المال يصرف بغير وجه حق ورغم ذلك تتجه إرادته الحرة والواعية إلى قبضه وتملكه فتتحد إرادته مع إرادة الفاعل الأصلي في تحقيق النتيجة الإجرامية


2. الشريك المحرّض: وهو كل من حث أو أغرى أو ضغط على الفاعل الأصلي لارتكاب الجريمة، كأن يمارس مسؤول سياسي ضغوطه لإدراج أسماء معينة في الكشوفات


3. الشريك المتفق: وهو كل من شارك في التخطيط المسبق لهذه المنظومة حتى لو لم يوقع أو يقبض مباشرة


4. الشريك غير الموظف: كصحفي أو ناشط أو أي شخص لا يحمل صفة الموظف العام ويشارك في الجريمة بقبوله المال، فإنه يُساءل كشريك وفقًا للقواعد العامة للشراكة الجنائية (المواد 23 وما بعدها من قانون العقوبات).


5. الشريك بالامتناع (الموظف الصامت): وهو الموظف العام الذي يعلم بوقوع الجريمة بحكم وظيفته (كموظف في التحقيق أو الرقابة) ويمتنع عمدًا عن الإبلاغ عنها مخالفًا بذلك واجبه الوظيفي ومسهّلًا باستمرارية الجريمة.


∆ ثالثًا: في تفنيد الدفوع القانونية المحتملة


في مواجهة هذه الاتهامات قد تثار دفوع معينة أبرزها وأخطرها هو الدفع بتنفيذ "أوامر عليا".


الدفع بـ"الأوامر العليا" – تفنيد وتأصيل:

هذا الدفع رغم شيوعه إلا أنه من أوهن الدفوع في جرائم المال العام.

فبعد مراجعة دقيقة لقانون الجرائم والعقوبات اليمني يتضح عدم وجود نص صريح يندرج ضمن أسباب الإباحة (المواد 26 ـ 30) يجعل من "أمر الرئيس" سببًا لمحو الجريمة، على عكس بعض القوانين العربية الأخرى، وان وجدت هناك بعض النصوص اللائحية المطاطية التي بكل الاحوال لايجب أن تخالف القانون؛ إلا أنها مع ذلك وبطبيعة الحال لا تنطبق على هذه الحالة التي نحن بصددها..


الأثر القانوني لغياب النص: هذا الغياب يجعل موقف الموظف المنفذ أضعف بكثير؛ ففي غياب نص خاص يبيح الفعل تسود القاعدة العامة التي تقضي بأن كل شخص مسؤول عن أفعاله الجرمية؛ وبالتالي

لا يوجد "سبب إباحة" قانوني يمكن للموظف أن يتمسك به.


طبيعة الدفع: يصبح الدفع بتنفيذ الأوامر مجرد "دفع موضوعي" يتعلق بظروف الجريمة والقصد الجنائي، وقد يؤخذ به القاضي كظرف مخفف للعقوبة في أضيق الحدود عند وجود مخرجات عمل، ولكنه لا يمحو الجريمة ولا ينفي المسؤولية الجنائية.


توزيع المسؤولية: بناءً على ذلك فإن المسؤولية الجنائية الكاملة تقوم ضد كل من ساهم في سلسلة القرارات والتنفيذ.

ويتحمل الرئيس مصدر الأمر المسؤولية كفاعل أصلي أو محرّض، ويتحمل المرؤوس المنفذ المسؤولية كشريك ولا يمكنه قانونًا الاحتماء خلف أمر يعلم أو كان يجب أن يعلم بأنه يؤدي إلى ارتكاب جريمة الاستيلاء على المال العام...


الدفع بـ"الظرف القاهر":

الظرف القاهر (الحرب والنزوح) كما هو محدد في المادة (35) من قانون الجرائم والعقوبات يتطلب وجود خطر جسيم وحال لم يكن لإرادة الفاعل دخل في حلوله.

قد يبرر هذا الظرف الغياب المؤقت في بداياته، لكنه لا يبرر إنشاء منظومة مالية للثراء غير المشروع تستمر لعقد من الزمان، فالشروط القانونية لحالة الضرورة تنتفي مع مرور الوقت وتوفر البدائل.


∆ الخلاصة: من التشديد على الإيقاف إلى ضرورة المحاكمة


حيث إن المطالبة بإيقاف صرف هذه البدلات هي مجرد إجراء تحفظي عاجل لوقف استمرار الجريمة؛ لكن العدالة بمفهومها الواسع، والتي تهدف إلى تحقيق الردع العام والخاص واستعادة هيبة الدولة، تتطلب إجراءات أبعد وأعمق:


1. التحقيق الجنائي: إلزام النيابة العامة بصفتها صاحبة الحق والأمينة على الدعوى العمومية والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بفتح ملف تحقيق جنائي شامل وموسع


2. المساءلة القضائية: إحالة كافة المتهمين فاعلين أصليين وشركاء بكافة صورهم إلى القضاء المختص لمحاكمتهم عن التهم المنسوبة إليهم.


3. استرداد الأموال: الحكم الجنائي لا يجب أن يقتصر على العقوبة السالبة للحرية، بل يجب أن يتضمن كعقوبة تكميلية وجوبية بإلزام كل متهم برد المبالغ التي استولى عليها، ومصادرة كافة الأصول المنقولة وغير المنقولة التي تمثل "متحصلات الجريمة" لإعادتها إلى خزينة الشعب