آخر تحديث :السبت-30 أغسطس 2025-01:07ص

لصوص ورب الكعبة

الإثنين - 25 أغسطس 2025 - الساعة 09:12 ص
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


في بلد يئن تحت وطأة الفقر والجوع، ويقف مواطنوه في طوابير طويلة بحثاً عن لقمة عيش أو دواء يشفي البدن ، يعيش قادة الدولة ونافذوها في عالم مغاير تماماً. عالم مترف يتقاضون فيه رواتب دولارية تعادل ملايين الريالات اليمنية، تصرف بانتظام، مرفقة بامتيازات وبدلات وسفريات وإقامات في أرقى فنادق العالم ذات الخمس نجوم، ورعاية صحية في أشهر المستشفيات العالمية. ومع ذلك، لم تكتفِ هذه القيادات بما تحصل عليه من خيرات الدولة، بل حولت المناصب إلى مزارع شخصية ومصادر إثراء لا تنضب.

نهب منظم للمشاريع والإيرادات

من المقاولات إلى المناقصات، مروراً بموارد المنافذ البرية والبحرية وايرادات الموانئ وتصدير النفط وغيره من الموارد السيادية ، لم يسلم أي قطاع من شراهة النهب. مشاريع الطرقات والمباني الحكومية تنفذ بثلث قيمتها الفعلية، لتنهار الطرقات بعد عام أو عامين، ويعاد إصلاحها بعقود جديدة تدر الملايين في جيوب المتنفذين. الأرصفة تُعاد رصفها بحجارة رديئة حتى تبقى المناقصات دائمة، والطرقات تغرق مع أول مطر لم يسلم من نهبهم خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم ودعم المنظمات ، بينما أموال تلك المشاريع وغيرها تتوزع بين القيادات والوسطاء.

شبكة عائلية للامتيازات

لم يتوقف الأمر عند حدود المسؤول نفسه، بل امتد ليشمل أسرته وأقاربه. أبناؤهم وأصهارهم يُدرجون في المناصب الدبلوماسية أو العسكرية أو الإدارية، لا لشيء سوى أن والدهم أو قريبهم يجلس على كرسي القيادة. بذلك تحولت مؤسسات الدولة إلى مرتع للمحسوبية، حيث تتقاضى أسر كاملة رواتب بالدولار من المال العام، فيما يعجز المواطن البسيط عن دفع ثمن علاج بسيط أو شراء قوت يومه.

إعلام مأجور وجوقة مباخر

وحتى يكتمل المشهد، تلتف حول هؤلاء جوقة من المطبّلين: صحفيون مأجورون، و"ذباب إلكتروني"، وناشطون لا يرون في الفساد إلا إنجازاً يستحق الإشادة. هؤلاء يشكلون الدرع الإعلامي الذي يبرر السرقات، ويدافع عن الفاسدين مقابل فتات مما يُنهب من ميزانية الدولة.

مفارقة الرواتب والواقع المعيشي

المفارقة الصادمة أن بعض القيادات اليمنية تتقاضى رواتب وامتيازات تعادل أو تفوق ما يتقاضاه رئيس أقوى دولة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يقبع ملايين اليمنيين تحت خط الفقر، ويكابدون الجوع والمرض والبطالة. أي منطق يقبل أن يستلم مسؤول في بلد منهك اقتصادياً رواتب دولارية خيالية، فيما تغرق المستشفيات في العجز عن توفير أبسط العلاجات؟

بلا إنجاز.. سوى النهب

رغم كل هذا البذخ والثراء، لا يجد المواطن أثراً يذكر لإنجاز حقيقي على الأرض. لا خدمات عامة محترمة، ولا مشاريع بنية تحتية مستدامة، ولا سياسات اقتصادية تنتشل الناس من أزماتهم. وحده الفساد هو المشروع الأكبر الذي يتقنه هؤلاء، في بلد لم يتركوا فيه مورداً إلا واستنزفوه، ولا فرصة إلا وحولوها إلى حساباتهم الخاصة.

اليمن، البلد الذي يمتلك ثروات نفطية وموارد طبيعية وبشرية قادرة على بناء اقتصاد متين، بات ضحية نخب سياسية واقتصادية حوّلت الوطن إلى غنيمة. لصوص ورب الكعبة، يتنعمون بخيرات البلاد، بينما يغرق الشعب في مستنقع الفقر والجوع والمرض. الحقيقة المرة أن من يفترض أنهم ولاة أمر، لم يكونوا سوى تجار مناصب، ومهندسي خراب.