الموتُ حقّ، لكنّه في سبيل الله حياةٌ لا تنقضي، وكرامةٌ لا تزول، ومقامٌ لا يناله إلا الذين صدقوا مع الله فصدقهم الله. وما أشرف أن يكون الموت إلى جوار غزة، تلك القلعة الصامدة، حيث تختلط دماء الأحرار في ميدانٍ واحدٍ يواجه فيه أبناء الأمّة عدوّ الله وعدوّ الإنسانية جمعاء. فالموت مع غزة أشرف من حياة الذل التي ارتضاها الأعراب المطبعون، الذين باعوا دينهم وأوطانهم بثمنٍ بخس، ورضوا لأنفسهم أن يعيشوا عبيداً في بلاط الصهاينة وأولياء الشيطان.
هكذا ارتقى الشهيد أحمد غالب الرهوي، رئيس الحكومة اليمنية التي تمثل إرادة الشعب في عاصمته الأبدية صنعاء. ارتقى شهيداً على يد قتلة الأنبياء والمرسلين، ليكتب بدمه آخر فصلٍ في حياته، وأول فصلٍ في خلوده. لقد عاش الرجل صادقاً مع الله، ثابتاً كالجبال في وجه المؤامرات، لا يلين ولا ينكسر، فاستحق أن يختم حياته بالشهادة، وليكون عنواناً للوفاء ومثالاً للرجال الذين لا يعرفون المساومة على دينهم ولا التفريط في قضايا أمتهم.
إن معركتنا اليوم ليست معركة حدود ولا خلافات سياسية كما يصوّرها المضلّلون؛ إنّها معركة بين الحق الإلهي والباطل الشيطاني. فلا حقّ إلا ما جاء من عند الله في كتابه وعلى لسان نبيه، ولا باطل إلا ما وافق مصالح أعداء الله من أحفاد القردة والخنازير. والرهوي، رحمه الله، كان في صفوف رجال الحق منذ أول يوم، ولو كان غير ذلك لرأيناه يتنقل بين عواصم الخيانة: الرياض وتل أبيب وواشنطن وأبوظبي، حيث يبيت الخونة ويصحو المرتزقة. لكنه آثر أن يكون في خندق الكرامة، فارتقى شهيداً عزيزاً، ليكون شاهداً على أن العزة لا تُنال إلا بمواجهة الباطل، وأن الحياة الحقيقية هي حياة الشهداء.
لقد مضى الرهوي إلى ربه شهيداً، لكن اسمه سيبقى يتردّد في ساحات العزة وعلى ألسنة الأحرار، دليلاً على أن اليمن ما زال ينجب الرجال، وأن الأمة لم تَخْلُ من الشرفاء، وأن الحق مهما تكالبت عليه قوى الباطل فلن يُهزم، لأن الله وعد بنصره، ووعود الله لا تتخلف.
أمّا الشامتون من المنافقين والخونة، أولئك الذين يرون أن القتل في سبيل الله خسارة، فنقول لهم: لقد سبقكم أسلافكم من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفس هذه الكلمات المثبطة، وردّ الله عليهم في كتابه العزيز:
﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 168].
إنها الآية التي تفضح حقيقة المنافقين في كل زمان: يعترضون على الشهادة ويحسبونها هزيمة، بينما هي في الحقيقة ذروة النصر ووسام الخلود. وما أشبه الأمس باليوم؛ فالمنافقون المعاصرون يردّدون نفس الأباطيل، يتساءلون بلسان الحقد والشماتة: "ما فائدة أن يُقتل فلان أو يُستشهد علان؟" وهم في غفلة عمياء عن أن الموت قدرٌ لا يفرّ منه أحد، وأن الشرف كل الشرف أن يُختَم العمر بدمعة صادق وبذلةٍ في سبيل الله.
وليت شعري، إن كانوا صادقين في دعواهم، فلماذا لا يدرؤون الموت عن أنفسهم وأبنائهم؟! ولماذا يموت المطبع والخائن كما يموت المجاهد والشهيد؟! إن الموت آتٍ لا محالة، لكن الفارق أن أحدهم يموت ذليلاً تافهاً لا قيمة له، بينما يموت الآخر عزيزاً مكرماً، حيّاً عند ربّه يرزق، وحيّاً في ذاكرة الأمة لا ينسى.
إن كلمات المنافقين لا تُسقط من قيمة الشهداء، بل تكشف عار قائليها، وتجعلهم آيةً من آيات الله على مر العصور: قومٌ خذلوا أمتهم وخانوا ربهم، فصاروا عبرةً يتداولها الناس، بينما يظل الشهداء منارةً تهدي وتلهم الأحرار.