آخر تحديث :السبت-21 فبراير 2026-02:15ص

أفول نجم الولايات المتحدة وبزوغ نظام عالمي جديد

الإثنين - 13 أكتوبر 2025 - الساعة 11:42 م
مبارك باشحري

بقلم: مبارك باشحري
- ارشيف الكاتب


بقلم / مبارك باشحري


إن استمرار نظام عالمي يقوم على القيمة النفعية البحتة بات أمرًا محالًا، بحكم طبيعته القائمة على أدوات غير أخلاقية لتحقيق غاياته. ففي عالم اليوم، لم تعد الإمكانات المادية حكرًا على الغرب كما كانت في سبعينيات القرن الماضي، حين كانت الولايات المتحدة تتصدر المشهد في ظل نظام نيوليبرالي لم يكن آنذاك قد ولد بعد كمنهج سياسي واقتصادي متكامل.


لقد بدأت ملامح التراجع الأمريكي تتجلى بوضوح في السنوات الأخيرة، إذ إن الأزمات الداخلية في الولايات المتحدة، سواء السياسية أو الاجتماعية، تعكس هشاشة البنية الداخلية للدولة التي لطالما صدّرت نفسها بوصفها زعيمة “العالم الحر”. فالحالات التي شهدتها بعض الولايات الأمريكية، مثل نيوجيرسي وغيرها، أظهرت بما لا يدع مجالًا للشك أن الخطر الحقيقي على الولايات المتحدة ينبع من داخلها، لا من خصومها الخارجيين.


ومع اتساع الفجوة الطبقية، وتصاعد الانقسامات السياسية الحادة، وضعف الثقة في المؤسسات، أصبحت جماهير الولايات المتحدة نفسها تدرك أن سياساتها الخارجية لم تعد تنسجم مع طموحاتها الداخلية ولا مع مبادئ العدالة التي ترفع شعاراتها. وقد انتقلت هذه الحقيقة أيضًا إلى حلفاء أمريكا في أوروبا، الذين باتوا يرون أن التبعية السياسية والعسكرية لواشنطن لم تعد تخدم مصالحهم في ظل نظام دولي يتغير بسرعة.


أما في أمريكا الجنوبية، فقد اتجهت العديد من الدول نحو سياسات مستقلة اقتصاديًا وسياسيًا، مما جعلها جزءًا من القطب العالمي الجديد الآخذ في التشكل، إلى جانب دول آسيوية وإفريقية تمردت على إرث الهيمنة الاقتصادية الغربية.


وفي ضوء هذا التحول، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها الشرارة الأخلاقية الأولى لولادة النظام العالمي الجديد، حيث تمثل مقاومة الشعب الفلسطيني ضد إسرائيل وضد سياسات الولايات المتحدة جوهر التحول القيمي والسياسي في العالم. فالمعادلة لم تعد قائمة على القوة العسكرية وحدها، بل على قوة الحق والعدالة والشرعية القانونية التي تعيد تعريف مفاهيم السيادة والتحرر والاستقلال الوطني.


من هنا، يمكن القول إن النظام العالمي الجديد الذي يتشكل اليوم يقوم على القيمة الأخلاقية القانونية، أو ما يمكن تسميته بـ"قانون العدالة الطبيعي"، في مواجهة النظام القديم الذي أسس على المصلحة والمنفعة. وفي ظل هذا التحول، تُستعاد المفاهيم الحقيقية للمصطلحات السياسية والاقتصادية بعد أن شوّهها الاستخدام النفعي لعقود طويلة.


وبناءً على ذلك، فإن المرحلة القادمة ستشهد بروز دول ذات سيادة فعلية على قرارها وثرواتها الوطنية، بعيدًا عن الهيمنة الاقتصادية والسياسية الغربية، ولن يكون البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحدهما المرجع المالي للدول النامية، كما لن يظل الدولار الأمريكي العملة الوحيدة التي تتحكم في التجارة العالمية.


إن كثيرًا من ملامح هذا التحول قد بدأت تتجلى فعلاً في الواقع، وما تبقى إلا مسألة وقت حتى تكتمل ملامح النظام العالمي الجديد الذي يولد اليوم من رحم المقاومة والعدالة، لا من عباءة الهيمنة والربح.


والله من وراء القصد.