آخر تحديث :الجمعة-16 يناير 2026-01:33م

ماذا بعد تجميد المؤتمر للواجهة؟

الجمعة - 31 أكتوبر 2025 - الساعة 09:07 ص
صلاح الطاهري

بقلم: صلاح الطاهري
- ارشيف الكاتب


شهد المشهد اليمني تحولاً جذرياً في أسس حكم الأمر الواقع في صنعاء، لتجد جماعة الحوثي نفسها اليوم في مواجهة نيران مزدوجة؛ جبهة داخلية تشتعل بالإحتجاج الإقتصادي، وجبهة سياسية داخلية خالية من أي شريك موثوق. لقد شكّل توقف الحرب في غزة وفراغ فزاعة الموت لأمريكا وإسرائيل نقطة تحول كبرى، حيث تبخّر "الغطاء الإيديولوجي" الخارجي الذي كان يبرر إستمرار الأزمة والصمت على المعاناة، ومع إنحسار هذا الغطاء، برزت أصوات مدوية من مناطق سيطرتها تندد بالجوع والمعاناة من موظفين في القطاعين العام والخاص وحتى المثقفين والفنانين والممثلين مع تفاقم أزمة الوضع المعيشي، حيث باتت هذه الشرائح تمثل جبهة إحتجاج هادئة لكنها شديدة الفعالية. في خضم هذا الإنكشاف الداخلي المتسارع حاولت المليشيا تصدير أزمتها عبر محاولتها اليائسة للبحث عن أعداء جدد كما تفعل الآن مع السعودية وتحريكها لملف المفاوضات مؤخراً مع السعودية من خلال الوساطة العمانية، وهو في جوهره محاولة لإعادة صياغة موضع الجماعة على خارطة الصراع الإقليمي كـ"قوة تفاوض" لا كطرف محلي منهك.

لكن الأشد خطراً ودرامية، هو ما حدث في الساحة السياسية الداخلية؛ لقد كانت شراكة المؤتمر الشعبي العام مع الحوثي في صنعاء تُدار من منطلق وطني وضرورة ومسؤولية؛ إذ رأت قيادات المؤتمر في الداخل أن واجبها تجاه الشعب اليمني يحتم عليها الحفاظ على الحد الأدنى من مستوى أداء مؤسسات الدولة لخدمة المواطنين، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل سيطرة الحوثيين واستحواذهم على الدولة، محاولين بذلك توفير واجهة وطنية مدنية لتفادي الإنهيار الكلي لمؤسسات الدولة.

لكن هذا الواجب الوطني قوبل بإقصاء وعبث وقمع؛ فبعد أشهر من الممارسات القمعية والإقصائية بلغت ذروتها بإعتقال الأمين العام للحزب غازي أحمد علي محسن وعدد من كوادر المؤتمر، تبخّرت فزاعة الشراكة التي طالما إستدلّت بها سلطة الإنقلاب الحوثي لإدارة الحكومة. ولم يأتي قرار قيادة المؤتمر في الخارج والداخل بتعليق نشاطه الحزبي والسياسي في مناطق سيطرة الحوثي إلا ليمثل الضربة القاضية لتعرية الحوثي وإسقاط آخر واجهة شرعية له؛ اليوم، يقف الحوثي في صنعاء بلا داعم دولي يستطيع المراهنة عليه، وبلا شريك محلي يمكنه الإحتماء خلف واجهته الوطنية، وهذا الفراغ المزدوج بلا شك قد يدفع الجماعة نحو خيارات تبدو ضرباً من "الحوار المستحيل".

في ظل هذه العزلة الخانقة، يبرز التساؤل الإستراتيجي: هل يمكن للحوثيين أن يفتحوا طريق الحوار مع أحزاب يمنية رئيسية أخرى، كالتجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني؟


إن أي مبادرة حوثية في هذا الإتجاه لن تكون إلا شراكة ضرورة لا شراكة قناعة، تحالفاً تكتيكياً تفرضه حتمية الإنهيار الإقتصادي، وضغوط المجتمع المتذمر، واليأس من إيجاد غطاء شرعي بعد قرار المؤتمر بتجميد نشاطة الحزبي والسياسي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، وإذا ما بادر الحوثي، سيعتمد على التدرج والضبابية، حيث سيبدأ عبر وسطاء قبليين لجس النبض مع قيادات الصف الثاني في كلا الحزبين، وسيعرض مقايضات فنية وإدارية محدودة، مثل الإشراك في وزارات الخدمات، أو صرف المرتبات، دون أي تنازلات جوهرية تمس سلطة الجماعة العليا. لكن الردود المتوقعة من الأحزاب تختلف جذرياً فبالنسبة للتجمع اليمني للإصلاح، فإن التباين الأيديولوجي بينه وبين الحوثي هو تناقض جذري في التنافس على المرجعية الدينية والإجتماعية، ولذلك، من المستبعد أن يوافق الإصلاح على لقاء علني أو حوار "تصالح" يغسل يد الحوثي من الإنقلاب، لكنه قد يقبل بتواصل مشروط ضمن إطار حلول إنسانية وأقتصادية، مستخدماً الدعوة الحوثية كـورقة ضغط على الأطراف الأخرى، وكفرصة لانتزاع شروط صعبة تتعلق بإطلاق سراح معتقليه، ليصبح هذا التواصل إختباراً لصدق النوايا لا بداية شراكة. أما الحزب الاشتراكي اليمني، فرغم أنه كان أقرب للحوثي تكتيكياً في مراحل سابقة، إلا أن أيديولوجيته المدنية تتعارض تماماً مع المشروع الديني السلالي، ولذلك، فمن المرجح أن يقبل الحزب بالحوار، لكنه سيواجه تحدياً داخلياً كبيراً، وسيركز إهتمامه على الملفات المدنية والجمهورية، والمطالبة بإعادة المؤسسات لحضن الدولة بعيداً عن الرقابة العقائدية، محاولاً إستغلال الحوار لإنعاش ماتبقي من قياداته وكوادره وبلاشك سيحرص علي طرح افكار لإستعادة روح الدولة المدنية والتي قد لا تخلوا من إرث إنتقامي لاحزاب اخري. أما المؤتمر الشعبي العام، لا يملك وهو أكبر بنية تنظيمية جمهورية، خياراً سوى الإستمرار بالمشروع الوطني الجمهوري لمواصلة مناهضة الإنقلاب الحوثي حتى القضاء عليه، فالمؤتمر مُقدّر له أن يتصدر هذا المشروع، ولكن ذلك يتطلب أولاً أن ينهض بكيانه كـخزان الشرعية، وأن يستعيد صوته الموحد بالإلتفاف حول القيادة التي تحمل الرمزية الوطنية والشرعية التاريخية في الخارج، وعليه أن يتجاوز كل منغصات الماضي، ليصبح صاحب قرار وطني مستقل، رافعاً لواء إستعادة الدولة والمؤسسات كاملة. وفي الختام، لقد وضع الحوثي نفسه في زاوية حرجة؛ بين محاولة يائسة لكسر العزلة الداخلية قد تجبره علي حوار مستحيل، وبين البحث عن شرعية تفاوضية في الخارج، إن العزلة السياسية الداخلية والإنهيار الإقتصادي هي السيف الذي سيقطع مسيرة حكم المليشيات الحوثية، لا صواريخها التي تطلقها نحو الخارج، والمصير النهائي لليمن لن يحدده حوار الضرورة الذي قد يعرضه الحوثي، بل توحيد الصف الجمهوري لمواجهة الأحادية السلالية، وعلى الأحزاب الوطنية، المؤتمر، والإصلاح والإشتراكي وكل الاحزاب والقوي السياسية الوطنية أن تتعامل بيقظة إستراتيجية مع أي دعوة قد يدعو لها الحوثي خلال هذه المرحلة، وأن تحول تلكم الدعوة إياها إلى فرصة لكشف هشاشة المشروع الحوثي، وإعادة إحياء المشروع الوطني الجامع،في سبيل إسقاط الإنقلاب الحوثي وإستعادة الجمهورية.