آخر تحديث :الجمعة-16 يناير 2026-01:33م

حين يُصبح ثمن التضحية نُكراناً في سجل الأبطال

الأحد - 09 نوفمبر 2025 - الساعة 10:38 م
صلاح الطاهري

بقلم: صلاح الطاهري
- ارشيف الكاتب


لكل أمةٍ سجلّ عز يُدون بالدماء، وفي اليمن، حيث تتداخل خيوط الملحمة بالمأساة، نقف أمام سِفرٍ مفتوح لا يقرأه إلا من أوتي بصيرةً تُجاوز ركام الساسة وصخب المعارك.

هذا السِفر ليس إلا أجساد جرحى الحرب التابعين لمشروع الدولة والشرعية الوطنية؛ أولئك الذين حملوا أرواحهم على أكفهم ثم عادوا إلينا بعاهات مستديمة شاهدة، لا يزالون يخوضون معركة أشد قسوة من قتال الميليشيات... معركة النسيان والإهمال في محكمة الضمير الوطني.

لقد كانت تضحياتهم فصولاً مشرقةً في كتاب البطولة، خروجاً من جبّ الخضوع إلى سماء الكرامة، حيث خسروا أطرافاً، أو أعضاءً، أو صحةً كاملة، لم يُبادلوا بها مالاً ولا جاهاً، بل إبتاعوا بها وطناً مهدداً بالضياع.

ولكن، يا للأسف المرير، هل إستقبلهم المحافظات المُستعادة للجمهورية بالإحتفاء اللائق أم بالخذلان المؤلم؟

فالفاجعة لا تكمن فقط في الألم الجسدي المُبرح الذي يُلازمهم كظل ثقيل، بل في الإحساس القاتل بأن ثمن التضحية بات عبئاً على كاهل الدولة.

لقد أصبحنا أمام معادلة مُخزية؛ بطل وطني يُناضل بدمه ودمائه، ثم يعود ليُناضل من أجل مخصص زهيد لا يكفي ثمن الدواء، أو راتب مُتأخر يُجبره على مد يد العوز، ولا يليق بمن جُرح دفاعاً عن راية، ومشروع الجمهورية، أن يُجرح ثانيةً بسيف التقصير والإهمال.

إن جراحهم هي شهادة حية على تقاعس الأجهزة المسؤولة، فعندما يُضطر الجريحُ إلى الإعتصام في خيمة بالية ليُطالب بحق العلاج والسكن، فهذا ليس إحتجاجاً على نقص الخدمات فحسب، بل هو صرخةٌ وجودية تُدين غياب الأولويات الوطنية وغرق القيادات في صراعات لا تُنتج إلا مزيداً من الوجع.

إنَّ قوة الدول لا تُقاس فقط بقوة جيوشها في الميدان، بل بقوة وفائها لمن سقطوا أو جُرحوا دفاعاً عنها، فالإهتمام بجرحى الحرب ليس مجرد عمل إنساني عابر، بل هو إستثمار إستراتيجي في الروح الوطنية، والولاء للمشروع الجمهوري.

فما هي الرسالة التي تُرسلها قيادة المجلس الرئاسى والحكومة الشرعية إلى الجنود المرابطين حالياً، وهم يرون مصير زملائهم النازفين؟

إنها رسالة ضمنية بأن التضحية لا تضمن الرعاية، وهذا يُمثل قاسمة ظهر وطعنة قاتلة للروح المعنوية وقوة الدفع الوطنية.

إن بناء الجيوش لا يتم بالعتاد وحده، بل ببناء الثقة المُطلقة بين المقاتل وقيادته، ويجب تفعيل ملف الجرحى كقضية وطنية عُليا تُدار بكفاءة إحترافية وشفافية مطلقة، كمسؤولية إنسانية ووطنية،من خلال تسوية عاجلة لأوضاعهم المالية، وإنشاء هيئة عليا متخصصة لإدارة ملف العلاج والتأهيل، وتوفير برامج إعادة تأهيل شاملة فاعلة لدمجهم كقوة عاملة منتجة بدلاً من تحويلهم إلى متقاعدين مرضى.

إن جرحى الحرب هم أيقونات التحدي، هم ذاكرة الوطن التي ترفض التلوث والنسيان، ويُذكِّروننا بأن معركتنا لم تنتهِ بعد، وأن البناء يبدأ بالإعتراف بجميل من دفع الثمن.

علينا أن ندرك أن هذا الجرح المفتوح في أجسادهم، إذا لم يُداوي بالإنصاف والعدل، سيتحول إلى ندبةٍ غائرة في روح الوطن، تُورث الأجيال القادمة شعوراً مُرّاً بالخيانة الوطنية.

فليكن تعاملنا مع هؤلاء الأبطال إمتحاناً لصدقنا، ومرآةً لنبل قضيتنا، فالأوفياء وحدهم من يستحقون النصر، وفي رعايتهم، نُعيد الإعتبار ليس فقط لأشخاصهم، بل لكل قيمةٍ نبيلة ضحّوا من أجلها.

فلتتحول آهاتهم إلى نشيد وفاء، وليكن علاجهم دليلاً قاطعاً على أنَّ دماء اليمنيين لم ولن تذهب سُدى.